إلههم، فجوابهم عن استغفار عيسى هو جوابنا عن استغفار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكلاهما معصوم عندنا وعندهم.
فإن عجزوا عن الجواب فنقول لهم: إن لفظ الذنب إذا استُعمل في حق الأنبياء يكون بمعنى خلاف الأولى، فقد يقصد النبي المعصوم عبادة أو أمرًا مباحًا ويقع بلا تعمد في زلة لمجاورة هذه العبادة أو الأمر المباح بهذه الزلة، وهي تكون خلاف الأولى، وحاشا الأنبياء أن يتعمدوا معصية الله، فهم الذين اصطفاهم الله من بين خلقه لهدايتهم، وما يُذكر من ذنوب لهم فهي إما افتراء عليهم أو وقعت قبل نبوتهم كمعصية آدم بأكله من الشجرة، ومعصية موسى بقتله القبطي مع كونه لم يتعمد قتله بل أراد أن يُخلِّص الإسرائيلي من القبطي حين استغاثه، فوكزه موسى فقضى عليه، ومن كمال عبادة الأنبياء لله وخشيتهم منه أن يستغفروا من ذنوبهم التي وقعت لهم قبل إكرام الله لهم بالنبوة، وقد يكون الذنب منهم بتأويل ككذبات إبراهيم الثلاث عندما كسر أصنام قومه وترك كبيرها فلما سألوه قال: (( فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ ) ) [الأنبياء:63] ، وقوله لقومه عندما أرادوا الذهاب إلى عيدهم: (( إِنِّي سَقِيمٌ ) ) [الصافات:89] ، وقوله عن زوجته سارة: إنها أختي؛ خوفًا على نفسه من الجبّار، ونحو ذلك مما يكون النبي عليه الصلاة والسلام فيه معذورًا، ومع هذا يستغفر ربه من ذلك.
والدعاء بالمغفرة كما يكون لتعليم الأمة، وكما يكون للذنوب التي هي خلاف الأولى، قد يكون كذلك لمحض التعبد لله كما في قوله تعالى: (( رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ) ) [آل عمران:194] ، فإن الله سيؤتي المؤمنين ما وعدهم على ألسنة رسله ولابد، ومع ذلك طلبوه من الله، وكقوله تعالى مُعلِّمًا نبيه أن يقول: (( رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ) ) [الأنبياء:112] ، مع أنه يعلم أنه لا يحكم إلا بالحق.
وقال بعض العلماء: الاستغفار هو طلب الغفران، والغفران هو الستر على القبيح، وهذا الستر نوعان:
الأول: بالعصمة منه، وعليه يحمل استغفار النبي صلى الله عليه وسلم، وإخبار الله بأنه قد غفر له بمعنى عصمه.
الثاني: بالستر بعد الوجود، وهذا هو المطلوب من استغفار المؤمنين.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان أرفع الخلق عند الله درجة، وأتمهم معرفة بربه، كان يُقبِل على ربه بجميع قلبه ويرى أن شغله بما سواه - وإن كان ضروريًا - نقصًا فيما يجب عليه