هذه حقيقة الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، فما بال أقوام يُصرِّون على تغميض أعينهم عن رؤية الحق؟!
وأختم هذا الفصل بذكر أمور يزول بها استبعاد وقوع التحريف في كتب اليهود والنصارى:
الأمر الأول: يذكر اليهود أن موسى عليه السلام كتب نسخة التوراة وسلمها إلى الأحبار، ووصاهم بمحافظتها ووضعها في صندوق، وإخراجها كل سبع سنين في يوم العيد لإسماع بني إسرائيل، فكانت هذه النسخة موضوعة في الصندوق، وكانت الطبقة الأولى على وصية موسى عليه السلام، فلما انقرضت هذه الطبقة تغير حال بني إسرائيل وكثر المرتدون منهم وضاعت تلك النسخة الموضوعة في الصندوق قبل عهد سليمان بن داود عليهما السلام، ففي الآية التاسعة من الباب الثامن من سفر الملوك الأول أن سليمان لما فتح الصندوق لم يكن فيه إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى وكانت الأحكام العشرة مكتوبة فيهما.
وبعد موت سليمان تفرق أسباط بني إسرائيل وصارت السلطنة الواحدة سلطنتين، وشاع الكفر والارتداد في السلطنتين، وعبدوا الأصنام جيلًا بعد جيل، حتى سلط الله عليهم الآشوريين والمصريين، ونهب بيت المقدس أكثر من مرة، وانعدمت نُسخ التوراة، ثم في عهد الملك يوشيا (638 - 608 ق. م) ادّعى الكاهن حلقيا أنه وجد نسخة التوراة (سفر التثنية فقط) كما في القصة المذكورة في سفر الملوك الثاني (22/ 3 - 11) .
لكن لا يعتمد على هذه النسخة ولا على قول الكاهن حلقيا؛ لأن بيت المقدس نهب مرتين، وما كانت تلك النسخة إلا من مخترعات حلقيا الكاهن جمعها من الروايات اللسانية التي وصلت إليه من أفواه الناس جيلًا بعد جيل سواء كانت صادقة أو كاذبة، وبعدما جمعها نسبها إلى موسى عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يُعمل بهذه النسخة إلا ثلاثة عشر عامًا إلى موت يوشيا سنة (608 ق. م) ثم لم يُعلم حالها، والمظنون زوالها في حادثة بختنصر عندما أسر بني إسرائيل وسباهم إلى بابل وهدم سور أورشليم، وأحرق بيت المقدس، وانعدمت جميع كتب العهد القديم التي كانت مصنفة قبل هذه الحادثة سنة (587 ق. م) .
الأمر الثاني: زعم أهل الكتاب أن عزرا عليه السلام كتب العهد العتيق مرة أخرى، ولكن بعد كتابته وقعت حادثة أخرى انعدمت معها جميع نسخ كتب العهد القديم، ففي الباب الأول من الكتاب الأول للمكابيين أنه لما فتح أنتيوكس ملك ملوك الفرنج أورشليم أحرق جميع نسخ