وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا )) [مريم:16 - 21] .
فالأعيان إذا أضيفت لله فهي إضافة تشريف كما يقال: بيت الله وناقة الله وعباد الله وروح الله، فمعنى (( وَرُوحٌ مِنْهُ ) ) [النساء:171] كما فسرها علماء أهل الإسلام أن عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واصطفاها وأكرمها، وقد قال الله عن آدم عليه السلام في آية أخرى: (( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) ) [السجدة:9] ، وقال عن آدم أيضًا: (( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ) [الحجر:29] ، فأطلق الله على نفس آدم: (( مِنْ رُوحِهِ ) ) [السجدة:9] ، ولم يقل أحد: إن آدم بعض من الله، بل مثل هذا التعبير موجود في التوراة نفسها، ففي سفر حزقيال (37/ 14) قال الله في خطاب ألوف من الناس الذين أحياهم بمعجزة حزقيال:"وأعطيت روحي فيكم"، فلا يلزم من هذا اللفظ أن يكون هؤلاء الألوف من الناس آلهة لإطلاق أن روح الله فيهم.
ومما يزيد الأمر بيانًا أن الله قال في القرآن: (( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) ) [الجاثية:13] ، وليس المراد أن السماوات والأرض وما فيها جزء من الله لأنه قال: (( جَمِيعًا مِنْهُ ) ) [الجاثية:13] ، بل المعنى أن الله خلقهما وابتدأهما، فهي من الله وليست من غيره، وكذلك روح عيسى هي من الله وليست من غيره، خلقها الله وأمر جبريل أن يلقيها إلى مريم فنفخها فيها بأمر الله فحملت بعيسى بلا أب كما قال الله: (( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) ) [الأنبياء:91] ، قال المفسرون: فعلنا النفخ في مريم عليها السلام من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام، كما قال الله في الآية الأخرى: (( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ) ) [مريم:17] ، أضاف الله سبحانه الروح إليه وهو للملَك تشريفا وتعظيما؛ لأنه روح مبعوث من الله [1] ، فالذي نفخ هو الروح الأمين جبريل عليه السلام، نفخ في مريم روح عيسى وهي روحٌ مخلوقة كغيرها من الأرواح إلا أن الله جعله آية فخلقه من أم بلا أب، وإسناد فعل الملَك إلى الله موجود في القرآن كقوله تعالى: (( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) ) [القيامة:16 - 18] ، قال المفسرون: أي إذا قرأ جبريل القرآن فاستمع قراءته، فأضاف الله القراءة إلى نفسه والقارئ هو جبريل عليه السلام.
(1) انظر التفسير الكبير (22/ 183) وفتح القدير (3/ 502) والتحرير والتنوير (17/ 138) .