الشبهة السادسة: قالوا: قال الله في القرآن: (( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) ) [الغاشية:21 - 22] ، وهذا يخالف الآيات التي فيها الأمر بالجهاد.
والجواب: أن هذا ليس باختلاف، بل هذا الحكم كان قبل الأمر بالجهاد، فلما نزل حكم الجهاد نسخ هذا الحكم، فإن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو المشركين إلى الإسلام ولم يأذن الله له بالجهاد، بل نهى المسلمين عنه، ولما هاجر إلى المدينة وقوِي المسلمون وصارت لهم دولة؛ أذِن الله لهم بالجهاد، وليس هذا اختلافًا، بل كان كل حُكم بما يناسب الحال وبما يتفق مع الحكمة والمصلحة.
الشبهة السابعة: قالوا: القرآن عربي وليس بلغتنا، فهو خاص بالعرب وحدهم كما قال الله في القرآن: (( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ) [يوسف:2] ، وقال: (( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ) [يس:6] ، فالعرب لم يأتهم رسول قبله، ولا يلزمنا اتباعه لأننا قد أتانا رسل من قبله بلغتنا، فمحمد رسول إلى غيرنا.
والجواب: أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر أنه مُرسل إلى العرب والعجم، وإلى جميع الإنس والجن، ولم يقل قط: إنه لم يُرسل إلى غير العرب، ولا في القرآن ما يدل على ذلك، وما احتجوا به من القرآن لم يفهموا معناه، فقد أمره الله أن ينذر عشيرته الأقربين ويخصهم بالدعوة أولا فقال: (( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] ، ثم أمره أن يدعو سائر العرب فقال: (( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) ) [الشورى:7] ، وأم القرى المقصود بها مكة، فكان النبي محمد عليه الصلاة والسلام يدعو العرب في مواسم الحج قبيلة قبيلة، ثم عمم بدعوته جميع الناس فقال الله تعالى: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) [الأعراف:158] ، وقال: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ) [الأنبياء:107] ، وقال: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [سبأ:28] .
ولسان موسى وعيسى عليهما السلام كان عبرانيا، ولم تكن لغة عيسى سريانية ولا رومية ولا عربية، ومع هذا فالنصارى يَدْعون جميع الناس إلى دينهم مع اختلاف لغاتهم، ويَدَّعون أن دينهم للعالمين مع أن عيسى لم يدَّعِ هذا، بل أُرسِل إلى بني إسرائيل فقط كما أخبر الله سبحانه عنه في القرآن: (( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ