ومحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء الصادقين كما تدل عليه ثماره وأدلة نبوته ومعجزاته، ولا اعتبار لإنكار اليهود له كما أنه لا اعتبار لإنكارهم عيسى عليه السلام، بل يدّعي اليهود أن عيسى عليه السلام أشر رجل من ابتداء العالم إلى زمن خروجه، وكذلك لا اعتبار لإنكار النصارى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ثبتت أدلة نبوته بما لا يبقى مجال للشك في صدقه ونبوته.
والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم المذكورة في الإنجيل كثيرة، وتأويلات النصارى لها غير مقبولة كما أن تأويلات اليهود لبشارات عيسى المذكورة في التوراة غير مقبولة عند النصارى، ويستدلون بها على أن عيسى حق رغم تأويلات اليهود لها بأنها في حق مسيحهم المنتظر أو في حق غيره، والنصارى يثبتون أنها في حق عيسى عليه السلام ولا يبالون بمخالفتهم، وكذلك نحن المسلمين لا نبالي بمخالفة النصارى في إثبات بعض الإخبارات التي في الإنجيل التي هي في حق محمد صلى الله عليه وسلم مع أنها أظهر صدقًا من الإخبارات التي نقلها النصارى عن التوراة في حق عيسى، ولكن المعاند له مجال واسع للتأويل في أمثال هذه الإخبارات، وما أسهل التكذيب على غير المخلصين المنصفين، لاسيما وتلك الإخبارات ليست مفصَّلة بل مجملة، وعادة أهل الكتاب سلفًا وخلفًا في تراجمهم أنهم يوردون بدل الأسماء معانيها دون ألفاظها، وهذا خبط عظيم، ومفتاح للفساد، فيزيدون شيئًا من كلامهم بطريق التفسير في الكلام الذي يزعمون أنه كلام الله، ولا يشيرون إلى أنه من تفسيرهم، ومن تأمل في تراجمهم المتداولة عندهم وجد أن هذا الأمر معتادًا بينهم، وشواهده كثيرة منها:
1 -في سفر التكوين (22/ 14) في الترجمة العربية المطبوعة سنة (1811 م) هكذا:"سمى إبراهيم اسم الموضع: مكان يرحم الله زائره".
وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة (1844 م) :"ودعا اسم ذلك الموضع: الرب يرى".
فترجم المترجم الأول الاسم العبراني وهو كلمة واحدة بجملة: (مكان يرحم الله زائره) ، وترجم المترجم الثاني ذلك الاسم بجملة: (الرب يرى) ولم يذكرا الاسم العبراني!!
2 -في سفر التكوين (49/ 10) في الترجمة العربية المطبوعة سنة (1625 م) وسنة (1844 م) :"فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم".
فقوله: (الذي له الكل) هي ترجمة للفظ: (شيلوه) وهو اسم الشخص المبشَّر به.