النَّصِيرُ )) [الأنفال:38 - 40] ، فأمر الله رسوله أن يقاتل الكافرين حتى لا تكون فتنة، أي: شرك وصد عن سبيل الله، ويكون الدين كله لله، فهذا هو المقصود من الجهاد، أن يدفع شرهم عن دين الله، وأن يُدعى الناس إلى دين الله الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان.
وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فجاهد في الله حق جهاده، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكبر قائد عسكري في الدنيا، وأعمقهم فراسة وتيقظًا، جامعًا بين الحزم والرحمة والحكمة، استطاع بقتاله الكفار أن يفرض الأمن ويبسط السلام ويطفئ نار الفتنة ويكسر شوكة الأعداء في صراع الإسلام والوثنية.
وقد غيّر أغراض الحروب وأهدافها، فبينما كانت الحرب عبارة عن النهب والسلب، والقتل وهتك حرمات النساء، والقسوة بالضعفاء والأطفال، وإهلاك الحرث والنسل؛ إذ صارت الحرب في الإسلام جهادًا في تحقيق أهداف نبيلة وأغراض سامية وغايات محمودة، فقد صارت الحرب جهادًا في تخليص الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ليدخلوا في دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، وخلقهم ليقوموا به، فإذا أسلموا عرفوا أن قتال المسلمين لهم ما هو إلا علاج لأنفسهم المريضة لتسعد بدين الله، ودواء لقلوبهم الغافلة لتطمئن بذكر الله، ولولا الجهاد في سبيل الله لفسدت الأرض ببقاء الكفر والضلال والظلم والطغيان.
ومن مقاصد الجهاد تخليص الإنسان من نظام الظلم إلى نظام العدل، وتطهير أرض الله من الإثم والعدوان، وبسط الأمن والسلام، ومراعاة الحقوق، وإعطاء كل ذي كل حق حقه، وأعظم ذلك أن يُعطى الخالق حقه فيُعبد وحده ولا يُشرك به شيئًا، فمن أبى أن يعطي الخالق حقه، بل وقاتل من يدعو الناس إلى إعطاء الخالق حقه، وصد الناس عن دين خالقهم وعبادته؛ فهو أظلم الناس، ومن الرحمة بالناس أن يُزال هذا الطاغوت الذي يحول بينهم وبين عبادة خالقهم.
وقد أمر الله رسوله بالغلظة على الكافرين المحاربين لدين الله، المانعين الناس عن توحيد الله فقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ) [التوبة:73] ، وكم حصل من خير عظيم بالجهاد في سبيل الله، ومن أعظم ذلك أن دخل في دين الله من كان يصدهم الكفار المحاربون عن سبيل الله، وينفرونهم عن توحيد الله، من أولادهم ونسائهم ومَن وراءهم، بل وكم دخل في دين الله من الكفار المحاربين أنفسهم عندما جاء نصر الله، وسمعوا كلام الله، ورأوا أخلاق المجاهدين، فآمن بالله كثير منهم ونجوا من النار بفضل الله ثم بسبب الجهاد في سبيل الله.