فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 94

رضِي الله عنه - لَمَّا فتَح بيت المقدِس وكان على الصخرة زبالة عظيمة؛ لأنَّ النَّصارَى كانوا يقصدون إهانَتَها مقابلةً لليهود الذين يُصَلُّون إليها، فأمَر عمر - رضِي الله عنه - بإزالة النَّجاسة عنها، وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مُصَلَّى المسلمين؟ فقال: خلف الصخرة، فقال: يا ابن اليهوديَّة، خالطَتْك يهوديَّتك، بل أَبنِيه أمامَها، فإنَّ لنا صدورَ المجالس، ولهذا كان أئمَّة الأمَّة إذا دخَلُوا المسجدَ أدوا الصلاة في المصلَّى الذي بناه عمر.

اتَّفق عُلَماء المسلِمين على استِحباب السَّفَر إلى بيت المقدس للعِبادة المشروعة فيه؛ كالصلاة والدُّعاء، والذِّكر وقِراءة القرآن، والاعتِكاف؛ لحديث الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا ) ).

وقد روى الحاكم في"صحيحه"أنَّ سليمان - عليه السلام - سأل ربه ثلاثًا:"ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وسأله حكمًا يُوافِق حكمه، وسأله ألاَّ يؤمَّ أحدٌ هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا غُفِر له"؛ ولهذا كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يأتي إليه فيصلِّي فيه ولا يشرب فيه ماءً؛ لتُصِيبه دعوةُ سليمان؛ لقوله:"لا يريد إلا الصلاة فيه"، فإنَّ هذا يقتضي إخلاص النيَّة في السفر إليه، ولا يأتيه لغرض دنيوي ولا بدعة.

والمسجد الحرام أفضل المساجد، ويَلِيه مسجد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويَلِيه المسجد الأقصى، وقد ثبَت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سِواه من المساجد، إلاَّ المسجد الحرام ) )؛ ولهذا لا يجوز تغييرُ واحدٍ من هذه المساجد الثلاثة من موضعه، وأمَّا سائر المساجد ففضيلتها من أنها مسجدٌ لله، وبيتٌ يصلَّى فيه، وهذا قدرٌ مُشتَرَك بين المساجد.

والذي عليه جمهورُ العلماء أنَّ الصلاة في المسجد الحرام أفضلُ منها في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد رَوَى أحمد والنسائي وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) )، وأمَّا في المسجد الأقصى فبخَمسمائة صَلاة على الصحيح.

والعِبادات المشرُوعة في المسجد الأقصى هي من جِنس العِبادات المشروعة في مسجد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيره من سائر المساجد، إلاَّ المسجد الحرام فإنَّه يُشرَع فيه زِيادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت