فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 94

على سائر المساجد الطوافُ بالكعبة، واستِلام الركنين اليمانيَّيْن، وتقبيل الحجر الأسود، وأمَّا مسجد ... النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسجد الأقصى وسائر المساجد ليس فيها ما يُطاف به، ولا فيها ما يُتَمسَّح به، ولا ما يُقبَّل، فلا يجوز لأحدٍ أن يطوف بحجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بغير ذلك من قبور الأنبياء والصالحين، ولا بصخرةِ بيت المقدس، ولا بغير هؤلاء؛ كالقبَّة التي فوق جبل عرفات وأمثالها، بل ليس في الأرض مكانٌ يُطاف فيه كما يُطاف بالكعبة، ومَن اعتَقَد أنَّ الطواف بغيرها مشروعٌ فهو شرٌّ ممَّن يعتَقد جوازَ الصلاة إلى غير الكعبة؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا هاجَر من مكَّة إلى المدينة صلَّى بالمسلمين ثمانية عشر شهرًا إلى بيت المقدس، فكانتْ قبلة المسلمين هذه المدَّة، ثم إنَّ الله حوَّل القبلةَ إلى الكعبة وأنزَلَ الله في ذلك القرآن - كما ذكَر في سورة البقرة - وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلِمون إلى الكَعبة، وصارتْ هي القبلة، وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء، فمَن اتَّخذ اليومَ الصخرةَ قبلةً يُصَلِّي إليها فهو كافرٌ مُرتَدٌّ يُستَتاب، فإنْ تاب وإلا قُتِل، مع أنها كانت قبلةً، لكن نسَخ الله ذلك، فكيف بِمَن يتَّخذها مكانًا يُطاف به كما يُطاف بالكعبة، والطواف بغير الكعبة لم يشرع بحال.

وكذلك مَن قصد أن يَسُوق إليها غنمًا أو بقرًا ليذبحها هناك، ويعتقد أنَّ الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، أو أنْ يسافر إليها يوم عرفة، فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق، من البِدَع والضَّلالات، ومَن فعَل شيئًا من ذلك مُعتَقِدًا أنَّ هذا قربةٌ إلى الله فإنَّه يُستَتاب، وإلا قُتِل، كما لو صلَّى في الصخرة مُعتَقِدًا أنَّ استِقبالها في الصَّلاة قربةٌ كاستِقبال الكعبة؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - مُصَلَّى المسلمين في مقدم المسجد الأقصى، وأمَّا الصخرة فلم يصلِّ عندها عمر - رضِي الله عنه - ولا الصحابة، ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبَّة، بل كانت مكشوفةً في خِلافة عمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، ومروان، ولكن لما تولَّى ابنه عبدالملك الشامَ وقَع بينه وبين ابن الزبير الفتنة، كان الناس يحجُّون فيجتمعون بابن الزبير؛ فأراد عبدالملك أنْ يَصرِف الناسَ عن ابن الزبير فبنى القبَّة على الصخرة وكَساها في الشِّتاء والصَّيف؛ ليُرَغِّب الناس في زيارة بيت المقدس، ويشتَغِلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير، وأمَّا أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ فلم يكونوا يعظِّمون الصخرة؛ فإنها قبلة منسوخة، كما أنَّ يومَ السبت كان عيدًا في شريعة موسى - عليه السلام - ثم نُسِخ في شرعة محمد - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت