فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 94

والسفر إليه لأجل التعرُّف به [1] معتقدًا أنَّ هذا قربة، بل هو محرَّم بلا ريب، وينبغي ألا يتشبَّه بهم ولا يكثر سوادهم، وليس السفر إليه مع الحج قربة، وقول القائل: قدَّس الله حجَّتك، قولٌ باطل لا أصلَ له كما يروى: مَن زارني وأبي في عام واحد ضمنت له الجنة، فإنَّ هذا كذب باتِّفاق ... أهل المعرفة بالحديث.

والمُرابَطة بالثُّغور أفضلُ من المجاوَرة في المساجد الثلاثة، كما نَصَّ على ذلك أئمَّة الإسلام عامَّة، وقد قال - تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 19 - 23] ، والسفر إلى البِقاع المعظَّمة هو من جنس الحج، ولكلِّ أمَّة حجٌّ، فالمشركون من العرب كانوا يحجُّون إلى اللات والعُزَّى ومناة الثالثة وغير ذلك من الأوثان، والمشركون في هذه الأزمان من الهند وغيرهم يحجُّون إلى آلهتهم، وكذلك النصارى يحجُّون إلى القمامة وبيت لحم وغير ذلك من كنائسهم التي بها الصُّوَر التي يعظِّمونها ويدعونها ويستَشفعون بها.

وكان أبرهة قد بنَى كنيسةً بأرض اليمن وأراد أن يَصرِف حَجَّ العرب إليها، فدخَل رجلٌ من العرب فأحدث في الكنيسة، فغَضِب أبرهة وسافَر إلى الكعبة ليهدمها حتى جرى ما جرى، قال - تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 1 - 5] .

ومعلومٌ أنَّه إنما يفعل فيها ما يفعله في كَنائِس النَّصارَى؛ فدَلَّ على أنَّ السفر إلى الكنائس عندهم هو من جنْس الحج عند المسلمين، وأنَّه يسمَّى حجًّا ويضاهى به البيت الحرام، وأنَّ مَن قصَد أنْ يجعل بقعةً للعِبادة فيها كما يُسافِر إلى المسجد الحَرام، فإنَّه قصَد ما هو عِبادة من جنْس الحج، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أنْ يحجَّ أحدٌ أو يُسافِر إلى غير المساجد الثلاثة، والصحابة - كابن عمر وأبي سعيد وأبي بصرة وغيرهم - فهِمُوا من قوْل النبيِّ - صلى الله عليه

(1) أي: الوقوف به يوم عرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت