فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 94

فتَحالفَتْ معهم يهود بني قريظة ونقضت العهد، ثم أنجز الله وعدَه، ونصَرَ عبدَه، وهزَم الأحزاب وحدَه، ثم أورث دِيار بني قريظة للمسلمين.

ويومَ حنين كَثُرَ عدد الجند لخروج الطُّلَقاء معهم، فلم تزدهم الكثرةُ إلاَّ وهنًا، ففرُّوا من الميدان: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ} [التوبة: 25 - 26] ، فجعَل الله - سبحانه - النَّصر قَرِينَ الإيمان وعمل الصالحات، والحمد لله حَوَّل قبلة المسلمين من بيت المقدس الذي وصَفَه ربُّ العزَّة بالبركة حولَه: {الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 71] ، ففيها الثمار والأشجار والأنهار التي زادتْ من مَطامِع الكافرين، بينما جعَل القبلة التي وجَّههم إليها وهي القبلة الأولى؛ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] ، جعَلَها {غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} في جِبال قاسية وأرض قاحلة ليس فيها من مَطامِع الدنيا شيءٌ إنما هي حياة القلوب {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 71] ؛ لذا فإنَّ التاريخ يشهد بأنَّ بيت المقدس لا يَكاد يمرُّ به قرنٌ بغير عدوان من الكافِرين يُفلِحون فيه أو يفشلون، بينما لم يأتِ جيشٌ من غير المسلمين على مكَّة بعد جيش أبرهة أصحاب الفيل، وبنظرةٍ إلى صفحة شبه جزيرة العرب نرى الاحتِلال الكافر قد أحاطَها من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وبقيت مكة حماها الله؛ بأنها كانت غير ذي زرعٍ، فالحمد لله ربِّ العالمين.

ثانيًا: الخير والرخاء بالتِزام شرْع الله:

وقَع للناس الخيرُ والرَّخاء لما عملوا بشرْع الله، ففاضَت الأموال لما أخرجت الزكاة، وفتحت البلاد لما عمل الجند [1] بشرع الله - تعالى - وكلَّما غيَّروا ما بأنفسهم غيَّر الله الأمر من واقع أرضهم، يقول أبو داود في"سننه"في كتاب الزكاة (باب زكاة الزروع) : شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرًا، ورأيت أترجة على بعير بقطعتين قطعت وصيرت على مثل عدلين، فانظر -

(1) قارِن بين هذا وبين ما يقوم به المسؤولون عن معنويَّات الجند من الحفلات الراقصة، والأغاني الماجنة، التي تجعل الجنديَّ يخلد للشهوات؛ فيفر عند أوَّل صيحة، ويحسَبُون كلَّ صيحةٍ عليهم، فيقع الوَهَن في صدورهم بالمعاصي التي يَعِيشُون فيها، فلا يتحمَّلون نصرًا، ولا يَحمُون أرضًا؛ وإنما يُسرِعون بالهزيمة قبل أن تأتيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت