رَعاك ... الله - كيف تحقَّق وعْد الله لما آمَن الناس، فصارتْ قثاءة ثلاثة عشر شبرًا، والأترجة حمل بعير، وتبقى الخيرات والبركات ما بقي الإيمان والتوحيد، ثم خلف من بعدِهم خلفٌ أضاعوا الصَّلاة واتَّبَعوا الشهوات واستَهواهُم الشيطان، فأضلَّهم وأغواهم، وأوقَعَهم في الخُرافة؛ فقَدَّسوا القبور، وطافُوا حولَها، ودعوا غيرَ الله، ونذَرُوا وذبَحُوا لغير الله، فبَدَّل الله خيراتهم وأزالها؛ {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] .
ثالثًا: في الزمان القريب:
غيَّر الله أمنَ الناس إلى خوفٍ لَمَّا غيَّروا الإيمان، فأزال عنهم العِزَّ بالمعاصي التي وقَعُوا فيها، فكان من تلك البِلاد التي أصابها ذلك البَلاء بلادُ الحرمين الشريفين وما حولها من نجد وتهامة وسائر شبه الجزيرة العربيَّة، يقول المؤرِّخون: ما أهلَّ القرن الثاني عشر للهجرة على نجد إلا وهي غارقةٌ في الجاهليَّة، فانقلبتْ مسرحًا يُمثَّل عليه أدوار الهمجيَّة؛ حيث إراقةُ الدِّماء، وقتْل النفس التي حرَّم الله قتلَها بغير حقٍّ، وحيث التناحُر والجمود، والفساد في كلِّ شيء، فعَمَّ الفَساد كلَّ جوانب الحياة، وانزَوَى الدين في صدور الصالحين، أمَّا السواد الأعظم فالأهواء والشرك والوثنيَّة والبِدَع والخُرافَات قد تمكَّنت من نفوسهم، وتأصَّلت وصارَتْ عقيدةً عندَهم، وصارت العبادة لغير الله سائدةً منتشرة، يدعون الأوثان، وينحرون للأحجار، كأنَّ الجاهليَّة قد رجعتْ برحالها وأخلاقها وأعمالها؛ ففي سنة 1196 هـ قتل أهل القصيم عُلَماء الدين والقُضَاة والشُّيوخ والوُعَّاظ والمرشِدين، وعقَدُوا المؤتمرات التي اجتَمَع فيها الأشرار من الآفاق وتشاوَرُوا، واستَقَرَّ رأيُهم على التخلُّص من العُلَماء بالقتل، ولم يرتضوا بغير القتْل بديلًا، ومضى كُلُّ مَندوبٍ إلى قَومِه لينفذوا هذه الخطَّة، فوَقَع قتلُ كثيرٍ من العُلَماء والصالحين، قتلوهم بينما هم يتَّجِهون إلى المساجد للصلاة أو مجالس العِلم أو للإصلاح بين الناس!
انظر لترى ما حدَث في نجد يُشبِه ما حدَث في ثورة الشيوعيَّة في بِلاد الاتِّحاد السوفيتي الذي هدَّم الله قِلاعَه.
في هذه الحقبة التاريخيَّة الأليمة، وفي وسط هذه المَظالِم العجِيبة يقومُ شيخ الإسلام ومُجَدِّد العصر، الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى، وأجزل له المثوبة - يقوم بدَعوته مُعتَمِدًا على الله، مُتوكِّلًا عليه، فأعانَه الله برِجالٍ جرَّدوا أنفسهم لدين الله خدامًا، فلمَّا خدَمُوا دينَ الله