الشرك وأوضارِه، حمدَ مَن استَشعَر الحمدَ باطن سرِّه وظاهر إجهارِه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يُولَد، ولم يكن له كفوًا أحد، شهادة مَن طهَّر بالتوحيد قلبَه، وأرضى به ربَّه.
وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، رافع الشكر، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أُسرِي به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العُلَى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنَّة المأوى، ما زاغَ البصر وما طغَى - صلى الله عليه وسلم - وعلى خليفته الصِّدِّيق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أوَّل مَن رفَع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان ذي النورين وجامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسِّر الأصنام، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان [1] .
أمَّا بعد:
فإنَّ المسجد الأقصى يمثِّل عند المسلمين عقيدةً راسخة لا تزول ولا تتغيَّر؛ فإنَّه أولى القبلتين، وثاني المسجدين، لا يُشَدُّ الرحل بعد المسجدين إلا إليه، ولا تُعقَد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أُسرِي بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصَلَّى فيه بالأنبياء والرُّسُل، ومنه كان المِعراج إلى السموات العُلَى، وهو أرض المحشر والمنشر يومَ التَّلاقِ، وهو مَقَرُّ الأنبياء ومَقصِد الأولياء.
فقدرُه عظيم، وشرفُه كبير، والإيمان بفَضلِه وشرفه عقيدة، والجِهاد لتَحرِيره عِزَّة، والتَّخاذُل عن نَصرِه ذِلَّة، والرِّضا بكَونِه مأسورًا ومدنسًا نفاق وخِسَّة؛ لذا فإنَّ الصِّراع بيننا وبين اليهود
(1) هذا الصدر من أوَّل خطبةٍ أُلقِيتْ في المسجد الأقصى في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، ألقاها القاضي محيي الدين بن الزكي، ذكَر فيها فضائل المسجد الأقصى، وكان أوَّل ما قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الأنعام: 45] ، عند ذلك تُلِي التنزيل، وجاء الحق، وبطلت الأباطيل، وصُفَّت السجادات، وكثرت السجدات، وتنوَّعت العِبادات، وارتَفعت الدعوات، ونَزلَت البركات، وانجلت الكربات، وأُقِيمت الصلوات، وأذَّن المؤذِّنون، وخرس القسيسون، وزال البُوس، وطابَت النُّفوس، وأقبَلت السعود، وأدبَرت النُّحوس، وعُبِد اللهُ الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وكبَّرَه الراكع والساجد، والقائم والقاعد، وامتَلأ الجامع، وسالت لرقَّة القلوب المدامع، وقد صدرت القول بها تيمُّنًا، علَّنا نسمع مثلها عن قريب، وقتئذٍ {يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ} [الرُّوم: 4 - 5] .