قال الإمام البخاري (3888) :
4 -حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} [الإسراء: 60] ، قال: هي رؤيا عين أُرِيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أُسرِي به إلى بيت المقدس، قال: والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقُّوم [1] .
(1) أقول: وفِي الباب عن جماعةٍ من الصحابة، وفصَّل الطرق عنهم جماعةٌ من المصنِّفين؛ كالبيهقي في"الدلائل"، والسيوطي في"الدر المنثور"، وابن كثيرٍ في"تفسيره"، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا الطُّرُق إليهم، ولكن فيما ذكرته الكفاية - إنْ شاء الله - والمقصود إثباتُ صلاته - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الأقصى، وقد تَمَّ المراد - ولله الحمد.
وقال ابن كثيرٍ في"التفسير" (3/ 22 - 24) بعد أنْ ساقَ طرق الحديث: (فصل) وإذا حصَل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث؛ صحيحها وحسنها وضعيفها، فحصل مضمون ما اتَّفقت عليه من مَسرَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكَّة إلى بيت المقدس، وأنَّه مرَّة واحدة، وإن اختلفت عِبارات الرُّواة في أدائِه، أو زاد بعضُهم فيه، أو نقص منه، فإنَّ الخطأ جائزٌ على مَن عدا الأنبياء - عليهم السلام.
ومَن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرَّة على حِدَةٍ، فأثبت إسراءات متعدِّدة، فقد أَبعَدَ وأَغرَبَ، وهرب إلى غير مَهرَب، ولم يتحصَّل على مَطلَب، وقد صَرَّح بعضٌ من المتأخِّرين بأنَّه - صلى الله عليه وسلم - أُسرِي به مَرَّة من مكَّة إلى بيت المقدس فقط، ومرَّة من مكة إلى السماء فقط، ومرَّة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنَّه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيدٌ جدًّا.
ولم يُنقَل هذا عن أحدٍ من السَّلَف، ولو تَعَدَّد هذا التعدُّد لأخِبر النبي - صلى الله عليه وسلم - به أمَّته، ولنقَلَه الناس على التعدد والتكرُّر، قال موسى بن عقبة، عن الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة، وقال السدي: بستة عشر شهرًا، والحقُّ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أُسرِي به يقَظَةً لا مَنامًا من مكَّة إلى بيت المقدس راكِبًا البراق، فلمَّا انتَهَى إلى باب المسجد ربَط الدابَّة عند الباب ودخَلَه، فصلَّى في قبلته تحيَّة المسجد ركعتين، ثم أُتِي بالمعراج - وهو كالسُّلَّم ذو درج يرقى فيها - فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقيَّة السموات السبع، فتلقَّاه من كلِّ سماء مُقرَّبوها، وسلَّم على الأنبياء الذين في السموات بحسب مَنازِلهم ودَرجاتهم، حتى مَرَّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوَز منزلتيهما - صلَّى الله عليه وسلَّم، وعليهما وعلى سائر الأنبياء - حتى انتَهَى إلى مستوى يسمع فيه صَرِيف الأقلام - أي: أقلام القدر بما هو كائن - ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمْر الله - تعالى - عظَمةٌ عظيمة من فِراشٍ من ذهَب وألوان مُتَعدِّدة وغشيَتْها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صُورَته وله ستمائة جَناح، ورأى رَفرَفًا أخضر وقد سَدَّ الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضيَّة مسندٌ ظهرَه إليه؛ لأنَّه الكعبة السماويَّة، يَدخُله كُلَّ يومٍ سبعون ألفًا من الملائكة يَتعبَّدون فيه ثم لا يَعُودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنَّة والنار، وفرَض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خفَّفَها إلى خمسة؛ رحمةً منه ولطفًا بعِباده، وفي هذا اعتناءٌ عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبَط إلى بيت المقدس وهبَط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانَت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذٍ، ومن الناس مَن يَزعُم أنَّه أمَّهم في السماء، والذي تظاهَرتْ به الرِّوايات أنَّه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنَّه كان أوَّل دخوله إليه، والظاهِر أنَّه بعد رجوعه إليه؛ لأنَّه لما مَرَّ بهم في مَنازِلهم جعَل يَسأَل عنهم جبريل واحِدًا واحِدًا وهو يُخبِره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنَّه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب العلوي ليُفرَض عليه وعلى أمَّته ما يَشاء الله - تعالى - ثم لَمَّا فرَغ من الذي أريد به، اجتَمَع به هو وإخوانه من النبيِّين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل - عليه السلام - له في ذلك، ثم خرَج من بيت المقدس فرَكِبَ البراق وعاد إلى مكة بغلسٍ - والله سبحانه وتعالى أعلم - وأمَّا عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع، فقد ورد أنَّه في بيت المقدس، وجاء أنَّه في السماء، ويحتَمِل أنَّه يكون ها هنا وها هنا؛ لأنَّه كالضِّيافة للقادِم - والله أعلم.
ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه - صلى الله عليه وسلم - وروحه أو بروحه فقط؟ على قولَيْن؛ فالأكثرون من العلماء على أنَّه أُسرِي ببدنه وروحه يقظةً لا منامًا، ولا يُنكِرون أنْ يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى قبلَ ذلك منامًا، ثم رآه بعدُ يقظةً؛ لأنَّه كان - صلى الله عليه وسلم - لا يرى رؤيا إلا جاءتْ مثل فلق الصُّبح، والدليل على هذا قوله - تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] ، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العِظام فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مُستَعظَمًا، ولَمَا بادَر كفَّار قريش إلى تَكذِيبه، ولَمَا ارتدت جماعة ممَّن كان قد أَسلَم، وأيضًا فإنَّ العبد عبارةٌ عن مجموع الرُّوح والجسد وقد قال: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} ، وقد قال - تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] قال ابن عباس: هي رؤيا عينٍ أُرِيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ أُسرِي به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقُّوم؛ رواه البخاري.
وقال - تعالى: {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} [النَّجم: 17] ، والبصر من آلات الذات لا الرُّوح، وأيضًا فإنَّه حُمِل على البُراق، وهو دابَّة بيضاء براقة لها لمعانٌ، وإنما يكون هذا للبدن لا للرُّوح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تَركَب عليه - والله أعلم - ثم ساق - رحمه الله - فائدةً حسنة جليلة، فقال:
(فائدة) : قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه"التنوير في مولد السراج المنير"، وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلَّم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تَواتَرت الرِّوايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، علي، ابن مسعود، أبي ذر، مالك بن صعصعة، أبي هريرة، أبي سعيد، ابن عباس، شدَّاد بن أوس، أبي بن كعب، عبدالرحمن بن قرط، أبي حبَّة وأبي ليلى الأنصاريَّين، عبدالله بن عمرو، جابر، حذيفة، بريدة، أبي أيوب، أبي أمامة، سمرة بن جندب، أبي الحمراء، صهيب الرومي، أم هانئ، عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق - رضِي الله عنْهم أجمعين - منهم مَن ساقَه بطوله، ومنهم مَن اختَصَره على ما وقع في المسانيد، وإنْ لم تكن رِوايةً لبعضهم على شرطِ الصحَّة، فحديث الإسراء أجمَعَ عليه المسلِمون، وأعرَضَ عنه الزنادقة والمُلحِدون {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ والله متم نوره وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} [التوبة: 32] .