وقال سعيد بن عمرو: يا أبا زرعة، أأنت أحفظ أم أحمد؟ قال: بل أحمد، قلت: كيف علمت؟ قال: وجدت كتبه ليس في أوائل الأجزاء أسماء الذين حدثوه، فكان يحفظ في كل جزءٍ ممن سمعه، وأنا لا أقدر على هذا.
6)صفته:
عن محمد بن عباس النحوي قال: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه، ربعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظًا بيضًا، ورأيته معتمًّا، وعليه إزار.
وعن المروزي قال: لم أر فقيرًا في مجلس أعز منه في مجلس أحمد، كان مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حِلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلس بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدَّر.
وقال المروزي أيضًا: كان أبو عبدالله لا يجهل، وإذا جُهِل عليه حلم واحتمل، ويقول: يكفي الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، كثير التواضع، حسَن الخُلق، دائم البِشر، ليِّن الجانب، ليس بفظ، وكان يحب في الله، ويُبغض في الله، وإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران.
قال ابن النادي عن جده أبي جعفر قال: كان أحمد من أحسن الناس وأكرمهم وأحسنهم عِشرة وأدبًا، كثير الإطراق، لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث، وذكر الصالحين في وقار وسكون، ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بش به، وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ شديدًا، وكانوا يعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لم أرَه يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه.
7)كرمه وجوده:
قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدب لعبدالله بن أحمد بن حنبل: كنت آتي أباك، فيدفع إلي الثلاث دراهم وأقل وأكثر، ويقعد معي فيتحدث، وربما أعطاني الشيء، ويقول: أعطيتك نصف ما عندنا، فجئت يومًا فأكلت القعود أنا وهو، قال: ثم خرج ومعه تحت كسائه أربعة أرغفة، فقال: هذا نصف ما عندنا، فقلت: هي أحب إليَّ مِن أربعة آلاف من غيرك.
وقال هارون المستملي: لقيت أحمد بن حنبل فقلت: ما عندنا شيء، فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
والمواقف التي تدل على كرمه وجوده كثيرة، ولكني آثرت الاختصار.
8)عبادته:
كان الإمام أحمد رحمه الله مع علمِه وانشغاله بالحديث والفقه والتفسير وسائر العلوم، منشغلًا بالعبادة بالليل والنهار.