قال عبدالله بن الإمام أحمد: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواطِ أضعفته، فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة.
وقال أحمد رحمه الله: ما كتبت حديثًا إلا عملت به، حتى مر بي أن النَّبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة (الحجَّام) دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.
وكان يقرأ القرآن كثيرًا، قال عبدالله ابنه: كان أبي يقرأ كل يوم سبعًا، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.
وقال عبدالله: ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم، وكان يُكثر الدعاء ويخفيه، ويصلي بين العِشاءَين، فإذا صلى العشاء الآخرة ركع ركعات صالحة ثم يوتر وينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيصلي، وكانت قراءته لينة، وكان يصوم ويدمن (يكثر الصيام) ثم يفطر ما شاء الله، ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض، فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات.
9)زهده وكرامته:
كان الإمام أحمد فقيرًا، وكان يمر عليه اليوم بلا طعام، وكان أحيانًا لا يجد إلا ثوبًا واحدًا يستر بدنه، ومع ذلك عرض عليه الأمراء والعلماء وأقرانه وأصحابه الأموال، فكان لا يقبل منها شيئًا، حتى عرض عليه بعض أصحابه ثلاثة آلاف دينار فأبى، وعرض عليه مرة أخرى خمسمائة ألف فأبى أن يأخذها، وكان إذا اشتد به الفقر ينسخ الكتب والرسائل للناس بخط يده على أجرة زهيدة، وربما كان يعمل حمالًا يحمل الحطب وغير ذلك، ولا يقبل أن يأخذ من أحد درهمًا واحدًا.
قال أحد الشيوخ وكان عنده كتاب بخط الإمام أحمد: كنا عند سفيان بن عيينة ففقدت أحمد بن حنبل أيامًا، فدللت على موضعه، فجئت فإذا هو في شبيه بكهف في جياد، فقلت: سلام عليك، أأدخل؟ قال: لا، ثم قال: ادخل، فدخلت وإذا عليه قطعة لبد خلق (أي قديمة بالية) ، فقلت: لم حجبتني؟ قال: حتى استترت، فقلت: ما شأنك؟ فقال: سُرِقت ثيابي، قال: فبادرت إلى منزلي فجئته بمائة درهم فعرضتها عليه، فامتنع، فقلت: قرضًا فأبى، حتى بلغت عشرين درهم ويأبى، فقمت وقلت: ما يحل لك أن تقتل نفسك؟ قال: ارجع، فرجعت، فقال: أليس قد سمعت معي من ابن عيينة؟ قلت: بلى، قال: تحب أن أنسخه لك؟ قلت: نعم، قال: اشترِ لي ورقًا، قال: فكتب بدراهم اكتسى منها ثوبين.
قال ابن الجروي لصالح ابن الإمام: وقد جاء بعد المغرب فقال لأحمد: أنا رجل مشهور، وقد أتيتُك في هذا الوقت وعندي شيء قد أعددته لك، وهو ميراث، وأحب أن تقبله، فلم يزل به، فلما أكثر عليه قام ودخل، قال صالح: فأخبرت عن ابن الجروري أنه قال: قلت له: يا أبا عبدالله، هي ثلاثة آلاف دينار، فقام وتركني.