فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 156

قال هؤلاء المبتدعة: إن القرآن مخلوق، وأعجب المأمون بهذه البدعة واعتقدها، وطلب من العلماء أن يوافقوه على ذلك، وكان يعقد الجلسات ويسأل العلماء، فمن رفض هذه البدعة يعذب أشد العذاب.

وجيء بالإمام أحمد، وعقد معه عشرات المجالس وهو يرد عليهم في ثبات المؤمن وصدق ويقين في الله تبارك وتعالى: القرآن كلام الله، ولا يزيد عن ذلك، فإذا ما أصروا، قال لهم: ائتوني بآية من كتاب الله، أو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان يقول لهم: هل هذا علم علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قالوا: لا، قال لهم: علم لم يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمونه أنتم!، قالوا: كان يعلمه، قال: وهل بيَّنه للناس؟ قالوا: لا، قال: علم يعلمه ولا يبينه! فأسقط في أيديهم، فلجؤوا إلى الضرب والتعذيب، وظل الأمر على ذلك ثمانية وعشرين شهرًا، يضعون في يده ورجله القيود؛ حتى لا يكاد يستطيع أن يقف من ثقلها، ويشتد الضرب، وازداد الأمر شدة في عهد المعتصم، فكان يقول للجلاد: اضرب قطع الله يدك، وكل واحد من الجلادين يضرب سوطين، حتى يشتد الألم، وأحمد صابر يحتسب، لا يزيد إلا عن قول: ائتوني بشيء من القرآن والسنَّة أقول به.

وكان من عوامل ثبات الإمام أحمد أن الناس كانوا ينتظرون رأيه ليكتبوه، فخشي إن قال: القرآن مخلوق، وأجاب تقية ليحمي نفسه، أن يفتن الناس، فآثر أن يتحمل الضرب والعذاب على أن يكون سببًا في فتنة المسلمين.

وكذلك مما قوَّى الله به أمره وأعانه أنه سمع كلمة من أعرابي يقول: يا أحمد، إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا، قال أحمد: فقوَّى قلبي.

وأيضًا قال له محمد بن نوح: يا أبا عبدالله، الله الله؛ إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مدَّ الخَلْق أعناقهم إليك لما يكون منك؛ فاتق الله، واثبُتْ لأمر الله.

وظل الأمر على ذلك، حتى جاء عهد المتوكل الذي أمر برفع هذه المحنة، وانتشار السنَّة، ورفع البدعة، وإعلاء كلمة الحق، وأخرج الإمام أحمد، وأمر له بعطاء، لكن الإمام رفض ذلك، ولم يقبل منه شيئًا، وخرج إلى بيته، ولكن ظل أثر الضرب في جسده حتى مات رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت