وقال: أتيت مالكًا، فأتيت ابن عم لي والي المدينة فكلم مالكًا، فقال: اطلب من يقرأ لك؟ قلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر أعده، فأعيده حفظًا، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى، فقال: أنت تحب أن تكون قاضيًا.
وقال رحمه الله: كنت امرأً أكتب الشعر فآتي البوادي فأسمع منهم، فقدمت مكة، فخرجت وأنا أتمثل بشعر للبيد، وأضرب وحشي قدمي بالسوط، فضربني رجل من روائي من الحجبة، فقال: رجل من قريش ثم ابن المطلب رضي من دينه ودنياه أن يكون معلمًا، ما الشعر إذا استحكمت فيه فعدت معلمًا؟ تفقه يعلمك الله، فنفعني الله بكلامه، فكتبت ما شاء من ابن عيينة، ثم كنت أجالس مسلم بن خالد، ثم قدمت على مالك، فلما عرضت عليه إلى كتاب السير قال لي: تفقَّهْ تعلُ يا بن أخي.
قال الإمام رحمه الله: كان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة قديمة، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة.
5)تصدره للفتوى:
بدأ الإمام يتصدر للفتوى وهو ابن خمس عشرة سنة في مكة المكرمة، وكان معه في ذلك الوقت كبار العلماء، لكنه كان قد وصل إلى درجة تؤهله للفتوى، فأذن له أساتذته بالفتوى.
قال الإمام الحميدي رحمه الله: سمعت مسلم بن خالد الزنجي يقول للشافعي: أفتِ يا أبا عبدالله؛ فقد والله آنَ لك أن تفتي، وهو ابن خمسَ عَشْرة سنة.
6)حرصه على الحديث:
كان الإمام الشافعي رحمه الله من أحرص الناس على الحديث وعلى اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لُقِّب بـ: (ناصر الحديث) ، وكان يدعو الناس إلى اتباع السنَّة ونبذ الآراء، خاصة إذا خالفت حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الرأي رأيه هو.
قال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلتُه فكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما صح - فهو أَوْلى، ولا تقلدوني.
وقال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا بها، ودعُوا ما قلتُه.
وذات يوم ذكر الإمام حديثًا، فقال له رجل: تأخذ بهذا الحديث يا أبا عبدالله؟! فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ولم آخذ به، فأُشهِدكم أن عقلي قد ذهب.
روى يومًا حديثًا، فقال له الحميدي: أتأخذ به؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة، أو عليَّ زنَّار حتى إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لا أقول به!