وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: أي سماء تُظلني، وأي أرض تُقلني، إذا رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فلم أقُلْ به.
وقال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
7)عبادته:
وكان مع كثرة وشدة اهتمامه بالعلم والفقه والحديث متعبِّدًا زهدًا ورِعًا تقيًّا خاشعًا مخبِتًا لله تعالى.
قال الربيع بن سليمان: كان الشافعي قد جزَّأ الليل فثلَّثه؛ الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام.
وقال حسين الكرابيسي: بتُّ مع الشافعي ليلة، فكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد عن خمسين آية، فإذا أكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا بآية عذاب إلا تعوَّذ، وكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعًا.
وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين مرة.
8)زهده وورعه:
كان الإمام زاهدًا لا يَشغَل باله بطعام أو شراب أو زخرف من زخارف الحياة، بل كل همه العبادة والعلم، وخاصة الفقه.
قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا مرة، فأدخلت يدي فتقيأتها، وقال: لأن الشبع يُثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفِطنة، ويجلب النوم، ويُضعِف عن العبادة.
وقال يومًا للربيع: عليك بالزهد؛ فإن الزهد على الزاهد أحسنُ مِن الحلي على المرأة الناهد.
9)جُوده وكرمه:
كان الإمام الشافعي رحمه الله سخيًّا كريمًا مِعطاءً، لا يبخل على أحد بعلمه أو ماله، ربما يعطي الرجل نصف ماله من أجل كلمة يقولها، أو معروف يقدمه له، وقد يُعطي لمجرد العطاء تقربًا إلى الله تبارك وتعالى.
قال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام، فقال لي: أفلستُ من دهري ثلاث إفلاسات، فكنت أبيع قليلي وكثيري، حتى حلي بنتي وزوجتي، ولم أرهن قط.
وقال الربيع: أخذ رجل ركاب الشافعي فقال له: أعطِه أربعة دنانير، واعذِرني عنده.
قال الربيع: كان الشافعي يومًا مارًّا بالحذائين، فسقَط سوطه، فوثَب غلام ومسحه بكمِّه، وناوله، فأعطاه الشافعي سبعةَ دنانير.