فلسنا في حاجة إلى هؤلاء المثقفين ليثيروا الشبهات حول السنَّة؛ فإن علماء الحديث قد كفونا هذا الأمر، ولله الحمد والمنة.
أما عن القسم الأول وهو الشبهات العامة، فهو محور حديثنا في هذا الفصل من الرسالة، وسنفرد الشبهة ودليلها، ونرد عليها إن شاء الله ردًّا علميًّا عقليًّا، يقبله كل مسلم صادق محب لدينه مخلص لنبيه صلى الله عليه وسلم.
وقبل أن أبدأ في سرد هذه الشبهات والرد عليها أحب أن أنبه إلى نقطتين هامتين:
النقطة الأولى:
سؤال أتوجه به إلى هؤلاء الذين أنكروا السنَّة أقول لهم: هل تؤمنون أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان موجودًا أم هو من نسج الخيال؟ فإن قلتم: غير موجود فقد كفرتم، وإن قلتم: موجود، فأسألكم: هل كان يتكلم أم كان أبكم لا يتكلم؟ وحاشاه صلى الله عليه وسلم، وإن قلتم: أبكم لا يتكلم فقد كفرتم، وخالفتم الحق والمنطق والعقل.
وإن قلتم: كان يتكلم ليبلغ عن الله، فأين الكلام الذي تكلم به إن لم يكن هو هذه السنَّة؟
ائتونا بنماذج من كلامه من غير السنَّة الموجودة بيننا؟ أم هل يرسل الله رسولًا إلى قوم ثم يضيع هذا الكلام، مع أن معجزة النَّبي صلى الله عليه وسلم هي الكلام بل أفضل الكلام؟
نحن نعلم الكثير من كلام الأنبياء السابقين، بل ومن غير الأنبياء، ومن كلام العلماء، مثل كلام أفلاطون وأرسطو وغيرهم، فهل يعقل أن يحفظ كلام هؤلاء جميعًا ويضيع كلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ أين كلامه إذا لم يكن هو هذه السنَّة؟
النقطة الثانية:
ألست معي - أيها القارئ الكريم - أن كلام هؤلاء المنكرين للسنة جعلنا بين رأيين مختلفين وعلينا الاختيار بينهما، ولكن لا ينبغي أن يكون الاختيار تبعًا للأهواء، وإنما ينبغي أن يكون قائمًا على الدليل والبرهان.
الرأي الأول:
هو رأي العلماء المسلمين قديمًا وحديثًا، ابتداء من عهد الصحابة الكرام، واتفاقهم جميعًا بلا خلاف بينهم، مرورًا بعهد التابعين، ثم أتباعهم إلى عصر أئمة المذاهب"أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد"، مرورًا بعصر المحدثين الكبار، مثل: (البخاري ومسلم وعلي بن المديني، ويحيى بن معين) وغيرهم، إلى عصر ابن كثير والذهبي، وعصر ابن حجر والعراقي والسيوطي، إلى عصر الشوكاني وغيره، إلى عصرنا الحاضر.