وبما أن القرآن معجزة خالدة، فقد تكفل الله بصيانته وحفظه من التحريف والتبديل والتغيير؛ قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
وكما أنزل الله القرآن الكريم على قلب رسوله العظيم، ووعد بحفظه، كذلك منَّ الله على عباده بأن أنزل مع القرآن بيانًا وتوضيحًا لمراد الله في القرآن، وهذا البيان نوعان:
بيان عملي واقعي: يراه الناس أمام أعينهم ممثلًا في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو ما يُعرَف بالسنَّة العملية.
يأتي الأمر في القرآن، فيطبقه النَّبي صلى الله عليه وسلم تطبيقًا عمليًّا يراه الناس بأعينهم.
مثال: قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] ، فيأتي النَّبي صلى الله عليه وسلم فيقيم الصلاة أمام المسلمين ويقول: (( صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي ) ) [1] ، وهكذا في سائر الأمور العملية.
النوع الثاني من البيان للقرآن: بيان تقريري وبيان قولي: تقريري: أن يعلَمَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بشيء ما، فيسكت ولا يعلق عليه، فيدل ذلك على إقرار النَّبي صلى الله عليه وسلم له؛ إذ لو كان حرامًا أو لا يجوز لنهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عنه.
وبيان آخر قولي: وهو أن يأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بأمر ليطبقه المسلمون، سواء عمله النَّبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ورأَوْه، أو أمر به، أو نهى عن شيء، فيأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر، أو يضع حكمًا شرعيًّا لم يأتِ بيانه في القرآن، فيثبته النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما يعرف بالسنَّة القولية، أو السنَّة التقريرية.
وبما أن الله تبارك وتعالى قد حفظ القرآن، فقد حفظ الله بيانه أيضًا، وهو السنَّة النَّبويَّة المطهرة، سواء العملية، أو القولية، أو التقريرية؛ لأن ضياع السنَّة ضياع للقرآن.
هذا، وينبغي أن نعلم أن أعداء الإسلام قد حاولوا بكل ما أوتوا من قوة القضاءَ على الإسلام والمسلمين منذ اللحظة الأولى التي صدع فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة لهذا الدين العظيم.
ولكنهم بعد محاولات طويلة من الحروب والصدام العسكري مع الإسلام وأهله، علِموا تمامًا أنهم لن يستطيعوا القضاء عليه عسكريًّا.
فبدَؤوا يفكرون في طريق آخر لعلهم يصلون إلى هدفهم، ووجدوا أن الطريق هو: زعزعة الإيمان في قلوب المسلمين.
ولن يصلوا إلى ذلك إلا إذا أخرجوا القرآن والسنَّة من قلوب المؤمنين.
(1) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع (631) 1/ 145،