فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 156

كلام نبيه كله وحي، والوحي بلا خلاف ذِكر، والذِّكر محفوظ بنص القرآن؛ فصح بذلك أن كلامه كله صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ الله عز وجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء؛ فهو منقول إلينا كله؛ فلله الحجة علينا أبدًا" [1] ."

ومَن اطلع على مجهود العلماء وشروطهم، علم يقينًا أن السنَّة قد حُفِظت بحفظ الله تعالى.

فمن ذلك: أن العلماء قد أفنوا أعمارهم في كتابة حديث النَّبي صلى الله عليه وسلم وحفظه وتبليغه بما يعجِز عنه الخيال.

حيث كان الواحد منهم يسافر مسيرة الشهر والشهرين على بعيره، ينفد طعامه وشرابه، كل ذلك من أجل حديث واحد يريد أن يتحقق من مدى سماعه له، على سبيل المثال: جاء جابر بن عبدالله الأنصاري الصحابي الجليل من المدينة المنورة إلى مصر على بعيره، ولم يكن هناك طائرات، ولا سيارات، وإنما جاء يجوب الصحاري لأيام طوال من أجل حديث واحد فقط لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد غيره هو وعبدالله بن أنيس، وكان عبدالله بن أنيس قد استقر بمصر، فجاءه جابر كل هذه المسافة الطويلة، ووقف على بابه، وطرق الباب، فخرج الخادم فقال له جابر: قل لعبدالله: جابر بالباب، فخرج عبدالله فاعتنقه جابر، وقال له: حديث سمعته أنا وأنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يسمعه أحد غيرنا، قال عبدالله: نعم، حديث كذا وكذا، فقال جابر: نعم هو هذا، ثم تركه وعاد إلى المدينه مرة ثانية من فوره، ولم يجلس للراحة من عناء السفر.

كذلك كان الواحد منهم يُسأل عن أبيه فيقول: لا تأخذوا عنه الحديث؛ فإنه ضعيف، كما سئل علي بن المديني عن أبيه فقال: لا تأخذوا عنه؛ إنه ضعيف.

بل كان العلماء يقومون بأبحاث ودراسات من أجل حرف واحد، هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحرف أم لا؟ مثل حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) [2] ، قام العلماء بدراسات هل قال: (ربنا لك الحمد) أم (ربنا ولك الحمد) بإثبات حرف الواو بين كلمة ربنا وكلمة لك؟ هل هذا الحرف ثابت في الحديث أم لا؟ بالله هل يوجد دقة كهذه في أي علم من العلوم؟ حرف واحد تقام عليه الأبحاث، هل يجيز هؤلاء الرواة والعلماء أن يمر عليهم حديث مكذوب ولا يعرفوه؟!

(1) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم صـ 88.

(2) البخاري كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد (1114) 1/ 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت