فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 156

بل إذا كان الراوي عدلًا أمينًا صادقًا، لكنه يفعل شيئًا يعد في العرف عيبًا، كانوا لا يأخذون منه الحديث، وإن كان يحفظ مئات الآلاف من الأحاديث فإنها تُرد جميعًا؛ لضعف هذا الرواي؛ كأن يكذب الراوي مازحًا فيما يسمى (بالنكت) ، كانوا يشددون في رد حديثه، حتى ولو لم يكذب في عامة كلامه.

بل ولو كان الراوي يكذب في أبسط الأمور كانوا يردون حديثه، مثل ما حدث مع الإمام البخاري عندما رد حديث راوٍ؛ لأنه رأى معه مثل الإناء يشير به إلى حمار له قد انطلق منه، فيشير إليه بهذا الإناء يوهمه أنه طعام، فقال له البخاري: ماذا ستطعمه؟ قال: لا شيء، إنما أشير إليه فقط ليأتي إليَّ، فرد البخاري حديثه وضعفه، ولم يقبل منه شيئًا، وقال: إنه يكذب على الحمار، فما الذي يخيفه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

بالله عليكم، هل مثل هذا يروي أي حديث، ولو كان ضعيفًا.

بل لا تعجب - أيها القارئ الكريم - مما تسمع، هل تعلم أن الراوي لو كان يحفظ مثلًا مائتي ألف (200000) أو ثلاثمائة ألف حديث، فأخطأ مثلًا في عشرين حديثًا فقط، فإن خطأه هذا وإن كان يسيرًا بالنسبة لما يحفظه، وكان خطؤه هذا بأن يدخل حديثًا في حديث، أو اسم راو في اسم راو آخر - فإن العلماء يقولون عنه: له أوهام، أو يَهِم، أو يخطئ، وإذا قيل عن راو مثل ذلك فإن حديثه ينتقل من أعلى درجات الصحة إلى أقل درجات القبول، فيقال: حديثه حسن لغيره؛ أي: لا يقبل حديث واحد من أحاديثه إلا إذا رواه معه غيره.

فإذا أخطأ مثلًا في ستين حديثًا، وما ستون حديثًا في مقابل مائتي ألف، ومع ذلك يقال عنه: سيئ الحفظ، أو فاحش الغلط، وإذا وُصِف راوٍ بهذا اللقب انتقل حديثه من القبول إلى الضعف، ويرد كل ما يرويه من أحاديث؛ خيفة أن يكون قد أخطأ في أي منها، ولا يقبل حديثه أيضًا إلا إذا رواه أحد غيره.

هذا قطرة في بحر، ومن أراد المزيد من مجهود العلماء فليرجع إلى كتب السنَّة والرجال والتراجم ليرى ويفخر بعلماء الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت