بعد أن تعرفنا على معنى الآحاد والمتواتر وقبل أن نجيب على هذه الشبهة ونذكر أدلتنا من القرآن والسنَّة، أذكر أولًا أقوالَ أئمتنا وعلمائنا في هذه المسألة، وسأذكر كثيرًا من الآراء؛ حتى يتبين رأي الجمهور من العلماء.
اتفق العلماء سلفًا وخلفًا وأجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى عصرنا الحاضر على أن خبر الآحاد إذا صح بالشروط التي وضعها العلماء فإنه حجة يجب قبوله والعمل به، سواء أفاد العلم أم أفاد الظن، وأنه حجة على المسلم.
وممن قال بذلك:
1)الإمام البخاري رحمه الله تعالى؛ حيث وضع في كتابه الصحيح كتابًا تحت عنوان: (أخبار الآحاد) ، وضع فيه جملة من الأحاديث التي يستدل بها على وجوب العمل بحديث الآحاد، بل إنه ختم الكتاب بباب: (خبر المرأة الواحدة) .
2)الإمام مسلم رحمه الله تعالى؛ حيث قال في مقدمة صحيحه: (أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجةٌ يلزم به العمل) [1] .
3)الإمام النووي رحمه الله تعالى؛ قال في شرحه لصحيح مسلم:(هذا الذي قاله مسلم تنبيه على القاعدة العظيمة، التي ينبني عليها معظم أحكام الشرع، وهو وجوب العمل بخبر الواحد، فينبغي الاهتمام بها، والاعتناء بتحقيقها، وقد أطنب العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لها، وإيضاحها، ثم ذكر أقوال العلماء في حُكم الحديث الآحاد، ثم قال:"فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها"، ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك، ثم قال:"والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به" [2] .
4)الإمام ابن عبدالبر في مقدمة كتابه التمهيد؛ حيث قال ناقلًا إجماع المسلمين على وجوب العمل بخبر الواحد: (وأجمع أهل العلم مِن أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار - فيما علمت - على قَبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسَخْه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر، مِن لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شِرذمة لا تُعَد خلافًا.
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 111، ط دار المنار للنشر والتوزيع 1423 هـ.
(2) نفس المصدر.