اثني عشر قرنًا مضت حتى يأتي هؤلاء الآن ليقولوا للأمة: أفيقي أيتها الأمة؛ فأنت تتعبدين لله على باطل منذ ألف ومائتي عام.
إذًا فصحيح البخاري حاز هذه المكانة من إجماع الأمة على مكانته وقدره، وليس لأن البخاري هو جامعه، وحتى لو كان ذلك هو السبب فإن البخاري رحمه الله جديرٌ بذلك.
واسمح لي أن أضرب لك مثلًا يوضح المعنى: (لو أن طالبًا أعد بحثًا في مادة ما ثم تألفت لجنة تناقش الطالب في بحثه، وبعد مناقشات طويلة خرجت اللجنة وقالت: إن هذا البحث بحث ممتاز جدًّا، وليس فيه أخطاءٌ علمية، واستحق الطالب النجاح بامتياز، ثم جئت أنا وقلت: إن هذا الطالب طالب فاشل، وهذا البحث مليء بالأخطاء العلمية، فهل أكون قد طعنت في الطالب وبحثه؟ أم طعنت في الطالب وفي اللجنة التي ناقشته كلها؟ طبعًا في اللجنة كلها.
هذا ما يفعله منكرو السنَّة؛ فلم يطعنوا في البخاري فقط، بل طعنوا في الأمة كلها واتهموها بالجهل والغباء؛ لأنها ظلت اثني عشر قرنًا من الزمان على باطل، وأنهم يسيرون وراء البخاري، والبخاري معظمه ضعيف لا يصح منه شيء.
فهل الأمة التي فضَّلها الله على الأمم يتركها الله طوال هذه المدة يعبدون الله على خطأ؟
أرجع إلى الجواب عن الشبهة فأقول:
إن البخاري ليس معصومًا، لكنه لم يضع أحاديث خطأً في صحيحه، لكن ليس لأنه معصوم، بل لأسباب، منها ما ذكرته أن الأمة تلقته بالقبول، ومحال أن تجتمع الأمة كلها على ضلال.
كذلك أن البخاري رحمه الله لم يأتِ بأحاديث من قبل نفسه، ويقل: هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل البخاري رحمه الله قال: هذه الأحاديث حدثني بها مشايخي فلان وفلان، وذكر أسماء مشايخه، وذكر أحاديثهم.
على سبيل المثال: حديث: (إنما الأعمال بالنيات) .
قال البخاري رحمه الله: حدثني به شيخي الحميدي، وقال الحميدي: حدثني به سفيان، وقال سفيان: حدثني به يحيى بن سعيد، وقال يحيى: حدثني به محمد بن إبراهيم، وقال محمد: حدثني به علقمة بن وقاص، وقال علقمة: سمعته من عمر، وقال عمر: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا في سائر الأحاديث، إذًا فالبخاري ناقل عن شيوخه، وشيوخه عن شيوخهم، وهكذا.
إذًا، فالمحتمل أن يكون البخاري أو أحد شيوخه أو الرواة الذين بينه وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أخطأ؟