فأقول: احتمال وارد، لكنه غير صحيح أيضًا؛ لأن الأحاديث التي نقلها البخاري عن شيوخه لم يخطئ فيها، وكذلك شيوخه لم يخطئوا، وإليك الدليل:
على سبيل المثال: حديث: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ) )، الحديث هذا مما يقال: إن البخاري أخطأ فيه؛ لأنه تعارض مع قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ، فهذا خطأٌ من البخاري، أو من أحد الرواة، فأقول: ليس هناك خطأ، لكن لماذا؟ إليك الجواب:
لو افترضنا جدلًا أن البخاري أخطأ في هذا الحديث، فالسؤال هل انفرد البخاري بهذا الحديث؟ الجواب: لا، بمعنى أننا لو حذفنا هذا الحديث من صحيح البخاري، فهل معنى هذا أن الحديث غير صحيح؟ الجواب: لا؛ لأن البخاري لم ينفرد برواية هذا الحديث، بل رواه غير البخاري ستةٌ وأربعون عالِمًا ممن جمعوا الأحاديث غير البخاري، لن أذكرهم كلهم؛ حتى لا يمل القارئ من كثرة الأسماء، بل سأذكر بعضهم.
فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد والبيهقي وابن حبان والدارقطني والحاكم وابن أبي شيبة وعبدالرزاق والبغوي وغيرهم.
كما قلت: ستة وأربعون مصدرًا من مصادر السنَّة غير البخاري ذكرت هذا الحديث، فهل أخطأ كل هؤلاء.
ولا يمكن أن يكون الخطأ من مشايخهم؛ لأن مشايخهم أكثر منهم عددًا؛ مما يستحيل معه نسبة الخطأ أو الكذب إليهم، فمن مشايخهم الذين رووا هذا الحديث على سبيل المثال وليس الحصر: (عبدالله بن محمد المسندي وإبراهيم بن عرعرة ومالك بن عبدالواحد المسمعي وأبو اليمان وأبو الطاهر وحرملة بن يحيى وأحمد بن عبدة الضبي وأبو بكر بن أبي شيبة ومسدد) وغيرهم مما يصعب حصرهم.
وهكذا في كل طبقة حتى يصل السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اسمح لي أيها القارئ الكريم بشيء أكثر من التوضيح فأقول:
هذا الحديث رواه البخاري عن عبدالله بن محمد المسندي، عن حرمي بن عمارة، عن شعبة، عن واقد بن محمد، عن أبيه محمد، عن عبدالله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا قلت: أخطأ البخاري، وجدت للحديث ستة وأربعين مصدرًا غير البخاري.
وإذا قلت: أخطأ شيخه عبدالله بن محمد المسندي، وجدت أكثر من أربعين أو خمسين شيخًا رواه غير المسندي، وإذا قلت: الخطأ من شيخه حرمي بن عمارة، وجدت نفس العدد أو أكثر رواه مثله تمامًا، وإذا قلت: الخطأ من شعبة وجدت نفس الأمر، وإذا قلت: الخطأ من واقد بن محمد وجدت نفس الأمر، وإذا قلت: من أبيه، وجدت نفس الأمر، وإذا قلت: الخطأ من ابن عمر، قلت: هو صحابي، ومع ذلك