فقد روى هذا الحديث ثمانية عشر صحابيًّا آخرين غير ابن عمر، منهم: (عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وعائشة وابن عباس وأبو هريرة والنعمان بن بشير ومعاذ بن جبل وجابر بن عبدالله وأوس بن أوس وسمرة بن جندب وجرير بن عبدالله وسهل بن سعد وأبو مالك الأشجعي وأبو بكرة ورجل آخر من بلقين لم يذكر اسمه) رضي الله عنهم جميعًا، صحت الأسانيد إليهم، وهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهل أخطأ كل هؤلاء في نقلهم، لم يصح أن أحدًا منهم أصاب؟ أم هل اتفق كل هذا العدد على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إذًا النتيجة النهائية: أن البخاري لم يخطئ في هذا الحديث، وكذلك شيوخه، شيخًا عن شيخ، حتى وصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قد قاله، وبذلك بطَل الاحتمالان اللذان ذكرتهما هل أخطأ البخاري؟ أو هل كذب البخاري؟ ولم يبقَ سوى الاحتمال الثالث، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاله فعلًا.
وهنا أنت إما أن تقول: رضيت بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخطأ عندي أني لم أفهم الحديث على الوجه الصحيح، وإما أن تقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت أنه قال هذا الحديث، ومع ذلك لا آخذ به، وترد على رسول الله قوله، وفي هذه الحالة نقول: (أنت خرجت من الإسلام؛ لردِّك على رسول الله قولَه؛ فاذهب غير مأسوف عليك) .
والمفاجأة أن هذ الحديث حديث متواتر، وليس حديث آحاد، ومن المعروف أن المتواتر لا يبحث عن صحته؛ لأنه قد نقله العدد الكثير، وأصبح هذا الحديث مثله مثل القرآن، نُقل بالتواتر تمامًا كما نقل القرآن بالتواتر؛ فمَن أنكره كان كمن أنكر القرآن.
وهكذا في سائر الأحاديث التي ينقلها البخاري عن شيوخه، وشيوخه عن شيوخهم، حتى يصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول.
إذًا، فالخطأ في فهمك أنت للحديث، وليس في ذات الحديث.
ثم اعذرني - أيها القارئ الكريم - إن أطلت النفس قليلًا في الإجابة عن هذا الحديث؛ لأنه إذا وضحت الإجابة عليه، زالت كل الشبهات حول عامة الأحاديث الأخرى.
أقول لهم: أنتم تعترضون على هذا الحديث بدعوى مخالفته لآيات القرآن التي تدعو إلى حرية العقيدة، وأنه يخالف القواعد العامة للإسلام، فما رأيك أن هذا الحديث يتفق تمامًا مع آيات القرآن؟!