قد أكثرتما عليَّ وألححتما، فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحكِم ما كتبنا من حفظه، ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا (أي أحضر مجالس العلماء هباء) وأضيع أيامي؟ قال حاشد: فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد).
ومما يدل على كثرة حفظه وما عنده من الحديث: قال له بعض الناس: يقولون عنك: إنك لا تحسن تصلي، فكيف تجلس؟ فقال البخاري: لو قيل لي شيء من هذا، ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أرويَ عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة.
فكان يحفظ عشرات الآلاف من الأحاديث، حتى قال يومًا: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفَظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وكان هناك أحد شيوخ البخاري، واسمه عمرو بن علي الفلَّاس، وكان له تلاميذُ، أقرانٌ للإمام البخاري، فسألوا البخاري يومًا عن حديث، فقال: لا أعرفه، فسُرُّوا بذلك وصاروا إلى عمرو الفلاس فأخبروه، فقال: (حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث) .
7)ثناء العلماء عليه، وآراؤهم فيه:
عرَف العلماء من مشايخ البخاري وأقرانه وتلاميذه قدر هذا الإمام الجليل، فأثنَوْا عليه بما يستحق من كلمات المدح والثناء، وهناك عشرات الكلمات لعلماء أجلاء أثنوا عليه كثيرًا، اخترت مجموعة قيمة من هذه الكلمات:
-قال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم: سمعت بعض أصحابي يقول: كنت عند محمد بن سلام، فدخل عليه محمد بن إسماعيل (البخاري) ، فلما خرج، قال محمد بن سلام: كلما دخل عليَّ هذا الصبي تحيرت، والتبَس عليَّ أمر الحديث وغيره، ولا أزال خائفًا ما لم يخرج.
-قال أبو جعفر: سمعت يحيى بن جعفر يقول: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري، لفعلت؛ فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم.
-قال خلفٌ الخيَّامُ: حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلف: سمعت أحمد بن عبدالسلام قال: ذكرنا قول البخاري لعلي بن المديني، (يعني قول البخاري: ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند عليِّ بن المديني) ، فقال عليٌّ: دعوا هذا؛ فإن محمد بن إسماعيل لم يرَ مِثل نفسه.
-وقال حاشد بن إسماعيل: كنت بالبصرة فسمِعْتُ قدوم محمد بن إسماعيل، فلما قدم، قال بُندارٌ (محمد بن بشار) : اليوم دخَل سيدُ الفقهاء.
-وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءَهم كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل، فضَّلوه على أنفسهم.