وكان مِن عظيم أخلاقه وكرمه وجوده أنه بلغ له على رجل دَيْن خمسة وعشرين ألفًا، وكان البخاري في مدينة فربر، فخرج الرجل إلى مدينة أخرى تسمى خوارزم، فقال أصحاب البخاري له: أبلغ الوالي أن يحضر هذا الرجل ويأخذ لك حقك ومالك، فقال البخاري: لا ينبغي أن نروعه، فقاموا بدون علم البخاري وأبلغوا الوالي، وتم القبض على الرجل، فصالحه البخاري وقد غضب من صنع أصحابه، فصالح الرجل على أن يدفع الرجل كل سنة عشرة دراهم.
تخيل معي مبلغ قدره خمسة وعشرون ألفًا يسدد على أقساط، كل سنة قسط عشرة دراهم، متى ينتهي الدين؟ ومع ذلك لم يدفع الرجل شيئًا، ولم يأخذ البخاري مالَه، وعفا عن الرجل.
ومع ذلك كان البخاري رحمه الله زاهدًا ورِعًا، حتى أنفق كل ماله في جمع الحديث، حتى ما كان يبقي لنفسه شيئًا، قال عمر بن حفص الأشقر: كنا مع البخاري بالبصرة نكتب، ففقدناه أيامًا، ثم وجدناه في بيت وهو عريان وقد نفِد ما عنده، فجمعنا له الدراهم وكسَوْناه.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت الحسين بن محمد السمرقندي يقول: كان محمد بن إسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا ينشغل بأمور الناس، كل شُغله كان في العلم.
10)وفاته رحمه الله:
بعد حياة مليئة بالإيمان والتقوى والورع والزهد والكرم والجود وحُسن الخُلق والعلم وجمع السنَّة وحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - آن الأوان لهذه النفس الزكية الطاهرة المباركة أن ترحل إلى الله عز وجل؛ ليلقى جزاء ما قدم من خدمة للإسلام والمسلمين ولسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عدي: سمعت عبدالقدوس بن عبدالجبار السمرقندي يقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خرنتك، قرية على فرسخين من سمرقند، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو قد فرغ من صلاة الليل: (اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت؛ فاقبِضْني إليك) ، فما تم الشهر حتى مات، وقبرُه بخرنتك.
وتوفي رحمه الله في ليلة عيد الفطر يوم السبت عند صلاة العشاء، ودُفِن يوم عيد الفطر بعد صلاة الظهر سنة ستٍّ وخمسين ومائتين 256 ه، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا.
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عنده البخاري، يقول: (فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام على ذلك أيامًا، ثم علت سواريُّ بِيضٌ في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل الناس يختلفون ويتعجبون، وأما ريح الطيب فإنه تداوم أيامًا كثيرة) .