فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 114

وَكَانَ غرضه استفساره عن أخبار بلاد المغرب، فتمكن منه، إِلَى أن أَذِنَ لَهُ فِي السفر وزوَّده وأكرمه. فلما وصل، أعيد إِلَى المنصب، فباشره عشرة أشهر. ثُمَّ صرف بجمال الدين البساطي [1] إِلَى آخر السنة. وأعيد ابن خلدون وسار عَلَى عادته. إِلاَّ أنه تبسّط بالسكن عَلَى البحر، وأكثر من سماع المطربات، ومعاشرة الأحداث، وتزوّج إمرأة لَهَا أخ أَمْرَد يُنسب للتخليط فكثرت الشناعة عَلَيْهِ.

هكذا قرأت بخط جمال الدين البشبيشي فِي كتابه «القضاة» . قال: وَكَانَ مع ذَلِكَ أكثر من الازدراء بالناس، حَتَّى شهد عنده الأستادار [2] الكبير [3] بشهادة فلم تُقبَل شهادته، مع أنه كَانَ من المتعصبين لَهُ. وَلَمْ يشتهر عنه فِي منصبه إِلاَّ الصيانة، إِلَى أن صرف فِي سابع شهر ربيع الأول سنة ست وثمانمائة. ثُمَّ أعيد فِي شعبان سنة سبع، فباشر فِي هَذِهِ المرّة الأخيرة بلين مفرط وعَجز وخَور. وَلَمْ يلبث أن عزل فِي أواخر ذي القعدة.

وقرأت بخط البشبيشي؛ أنه كَانَ يومًا بالقرب من الصالحية، [4] فرأى ابن خلدون وهو يريد التوجه إِلَى منزله وبعض نوابه أمامه، وهو تاج الدين بن الطريف. فالتفت فرأى البشبيشي، فتلا قوله تعالى: (وَإذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ) فلما وصل ابن خلدون، عاتب ابن الطريف، فقال: لِمَ تَلوْتَ هَذِهِ الآية؟ فقال: اتفق كذا، فقال: بل أردت أن البشبيشي يبلغ جمال الدين البساطي.

وقرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي [5] فِي وصف تاريخ ابن خلدون: مقدمته لَمْ يعمل مثالها، وإنه

(1) جمال الدين البساطي: (ت: 829ھ / 1426 م) يجعل العسقلاني تعويض ابن خلدون بالبساطي خلال شهر شعبان من سنة 804: «وفي شعبان عزل ابن خلدون من قضاء المالكية بمصر واستقر جمال الدين البساطي وهو شاب.» [إنباء الغمر بأبناء العمر، مج 3، 5/ 15.] ونفس التاريخ أورده ابن إيّاس في بدائع الزهور، 1/ 423 حيث يقول: « ... وفيها (سنة 804) في يوم الاثنين 14 رجب خلع السلطان على القاضي جمال الدين البساطي المالكي واستقرّ به قاضي القضاة المالكيّة عوضا عن قاضي القضاة ولي الدين بن خلدون المغربي الحضرمي المالكي.» أنظر: القرافي، توشيح الديباج، ترجمة عدد 285، ص 259 - 260

(2) الأستادار: الأمير المسؤول عن رعاية بيوت السلطان وشؤونه الخاصة والإشراف على مطبخه والعاملين فيه وقبض أموال السلطان وصرفها. أنظر: مصطفى عبد الكريم الخطيب، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1996، ص 27.

(3) جمال الدين يوسف الأستادار: ولد بمدينة البيرة في فلسطين، وصل إلى القاهرة سنة 770 هـ (1368 م) . عينه السلطان الناصر فرج استدارا سنة 808 هـ (1405 م) . ثم أصبح وزيرا وناظرا خاصا؛ وصار يلقب بعزيز مصر. تخلص من عدد كبير من المماليك. اشتهر بالقسوة والظلم، مما دفع السلطان ناصر فرج إلى القبض عليه وتعذيبه؛ بتهشيم ساقيه، وقد سجن بالقلعة، وأعدم بقطع رأسه.

(4) المدرسة الصالحية تقع بين القصرين وهي المدرسة المسماة باسم الملك الصالح نجم الدين أيوب (ت: 640ھ / 1242 م) .

(5) المقريزي (ت: 842ھ / 1442 م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت