فلمّا أفضى الأمر إلى ولد أبي عنان، بادر القائم بدولته الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاقه في آخرين، وخلع عليه وحمله وأعاده إلى ما كان عليه، وعامله بوجوه من كرامته ومذاهب إحسانه، إلى أن انتقض أمره وانفضّ عنه بنو مرين، فلحق أبو زيد بالسلطان أبي سالم، فلمّا غلب على الملك، رعى له السابقة وولاّه كتابة السرّ والإنشاء، فصدر عنه أكثرها بالكلام المُرْسل الذي انفرد به في هذا العصر وحاكى طريقة عبد الحميد بن يحيى الكاتب والصابئ والجاحظ وما أدراك ما أولئك. واستمرّ على ذلك مفوّضا إليه خِطّة المظالم، حتّى زالت دولة أبي سالم وقام الوزير عمر بن عبد الله بالأمر، فأقرّه على ما كان عليه ووفر إقطاعه وزاد في جرايته. ثم تنكرت الحال بينه وبين الوزير ففارق مدينة فاس ولحق بالأندلس، فقدم غرناطة ثامن شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين فاهتزّ السلطان ابن الأحمر لقدومه، وهيأ له المنزل من قصوره بفرشه وماعونه وأركب خاصّته للقائه، ثم خلع عليه عند مثوله بين يديه، وخرج الوزير ابن الخطيب مشيّعا له إلى مكان نزله، وخاطبه ابن الخطيب بقطعة من نظم ونثر منها:
حللت حلول الغيث في البلد المَحْل ... • ... على الطائر الميمون والرّحْب والسهل
يمينًا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... • ... من الشيخ والطفل المهدأ والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... • ... تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل
ثم أن السلطان نظمنه في علية أهل مجلسه، واختصّه بالمناجاة في خَلْوَتِه، والمواكبة في ركوبه، والمواكلة والمطايبة والمفاكهة في أوقات أنسه؛ وأقام على ذلك إلى أن سفر عنه سنة خمس وستين إلى الطاغية بمدينة إشبيلية