فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 114

الجارف [1] في سنة تسع وأربعين وسبع مئة وذهب بالأعيان والصدور ومات أبواه، فاستدعاه أبو محمد بن تافركين [2] المستبدّ إذ ذاك بتونس إلى كتابة العلامة عن سلطانه أي إسحاق إبراهيم إبن السلطان أبي بكر [3] خامس الملوك الحفصيين بتونس، فكتب العلامة عن السلطان وهي وضع «الحمد لله والشكر لله» بقلم غليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم. ثم انصرف عن تونس وطنه ومنشئه عام ثلاثة وخمسين، وقد عُرِف فضله، فخاطبه السلطان أبو عنان فارس بن عليّ بن عثمان واستقدمه وأحضره مجلسه العلمي، فعرف حقه وأوجب فضله، وصرّفه في الكتابة والتوقيع بين يديه أوائل عام ستة وخمسين واختصّه، فارتفعت السّعايات به، وكثُر المنافسون، وعظم حَمل الخاصة من طلبة الحضرة عليه، لبعده عن حسن التأتي وشفوفه بتفوّق الفهم وجودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراءٌا عضده ما جُبِلَ عليه أبو زيد من إغفال التحفّظ مما يريب لديه بأن صادق الأمير محمدا صاحب بجاية من الموحّدين وداخله مداخلة غفل عن التحفظ فيها من غيرة السلطان. فلمّا شُغِلَ أبو عنان بمرضه، نمّ إليه الغواة والحسدة أن أمير بجاية معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وقد كان فيها يومئذ وزير أبي عنان عبد الله بن عليّ، وأن أبا زيد بن خلدون عاقده على ذلك ليكون حاجبه، فانبعث أبو عنان لذلك وقبض عليهما، واعتقل أبا زيد في أوائل سنة ثمان وخمسين، وقد تكدّر جوّه عند السلطان واشتدّ حنقه عليه حتى أراده بنكبة وشِدَّة لم يخلصه فيها سوى أجله، فبقي في الاعتقال إلى أن مات أبو عنان نحو عامين، وهو على سنن الأشراف من الصبر وعدم الخشوع وإهمال التوسّل [4] وإبائه لمكسوب في سبيل النَّفَقة.

(1) الطاعون الأكبر أو الطاعون الجارف من الأوبئة التي كانت تخلّف آثارا حادّة في مجتمعات القرون الوسطى سواء بالمجال العربي الإسلامي أو بأوروبا وآسيا وقد انتشر بكامل مناطق البحر الأبيض المتوسّط ووصل حتّى الجزر البريطانية بين سنتي 749 و 752 (1348 - 1351) . كان سببا في وفاة أقرب المقرّبين إليه وهم والداه وستّة من شيوخه من بين 28 شيخا ذكر ابن خلدون حرفيّا سبب وفاتهم بالطاعون قائلا: « ... ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه ... وذهب الأعيان الصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله.» (7/ 515 و 532) . وحول الطاعون بإفريقية أنظر: أحمد السعداوي:"المغرب الإسلامي في مواجهة الطاعون: الطاعون الأعظم والطواعين التي تلته: القرنين 8 - 9 هـ/ 14 - 15 م". مجلة معهد الآداب العربيّة I.B.L.A، تونس، ع 175، (1995) ، مج 58، ص 119 - 141.

(2) ابن تافرجين: (ت:766 هـ/ 1365 م) المستبدّ بالسلطان الحفصي أبي إسحاق.

(3) أبو إسحاق، إبراهيم الثاني: (757 - 770 هـ/1356 - 1369 م) .

(4) يغضّ المقريزي النظر عن القصيدة التي أرسلها ابن خلدون إلى سجّانه أبي عنان متوسّلا إياه إخلاء سبيله، إذ قضّى ابن خلدون سنة وتسعة أشهر في حبسه ولم يقع الإفراج عنه إلاّ إثر مقتل السلطان في شهر ذي الحجّة سنة 759 (نوفمبر 1358) . ففي هذا الإطار يقول صاحب العبر: « ... فقبض عليّ [أبو عنان] وامتحنني وحبسني، ثم أطلق الأمير محمدا ومازلت أنا في اعتقاله إلى أن هلك.» (7/ 539) ويشير ابن الأحمر إلى هذه الحادثة قائلا: «وحين كان في سجن أمير المؤمنين ... بعث من السجن لأبي عنان في العشر الأول من شعبان عام 759 قصيدة رائقة من نظمه يستعطفه بها، وكان له في السجن ثمانية عشر شهرا ... وقصيدته المذكورة هي: ... » [نثير الجمان في شعر من نظمني وإيّاه الزمان، حققه وقدّم له محمد رضوان الدّاية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1976، ص 298 - 310.] وتظم القصيدة 107 أبيات، حسب ابن الأحمر، لكن المقريزي يشير إلى أنها تحوي حوالي مائتي (200) بيت. [درر العقود الفريدة، 2/ 400.] من هذه القصيدة يقول ابن خلدون:

1 ... وأعشو إلى مدح الخليفة فارس ... • ... فتنجاب عنّي للخطوب غياهب

2 ... إمام هدى ضاءت شموس اهتدائه ... • ... فبانت لنا من بينهم المذاهب

3 ... وأشرقت الدنيا بنور جبينه ... • ... فما المسك لولا عرفه المتطايب

4 ... وأشرقت الدنيا بنور جبينه ... • ... فما الشمس إلاّ إن بدا منه حاجب

5 ... تزاحم تيجان الملك ببابه ... • ... كما ازدحمت بالدار عين المواكب

6 ... ودوّخت أرض الغرب حتى تسابقت ... • ... لأمرك طوعا عجمه والأعارب

وتتالى أبيات المدح على طول 46 بيتا، أصبح أبو عنان من خلالها سلطان زمانه الصارم المنتصر دوما، المتديّن صاحب الملك، الخليفة، أمير المؤمنين، ثم يعود ابن خلدون لطلب الصفح والمغفرة قائلا:

فعفوا أمير المؤمنين فليس لي ... • ... يدان بسخط منك والصبر عازب

وإن أثبت الأعداء أني مذنب ... • ... فصفحك يا مولاي للذنب سالب

سأنزع عمّا أنت والله ساخط ... • ... فأمرك محتوم على الخلق واجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت