لُجَجُهُ، إلى غير ذلك من عظيم الحشمة والوقار، وجليل الهيبة والفخار، يجمع إلى حسن الوجه والملاحة، رصانة العقل والرجاحة، مع الغاية في فصاحة المنطق وبداعة المحاضرة، وعذوبة المحادثة والمسامرة، وكثرة الأدب وحسن المعاشرة، وتفجر ينابيع العلوم والمعارف عند المذاكرة، وشجاعة القلب والأقدام، والثبات عند ارتعاد الفرائص ومَزَالِّ الأقدام، والحَظوة عند ملوك الأقطار، والقبول التام من جماهير أهل الأمصار. تقلد الأعمال الشريفة، والخطط الرفيعة المنيفة، من زمن الصبا والصغر، إلى وقت الكهولة وسن الكبر، في الأقطار المغربية، والبلاد الإفريقية، والثغور الأندلسية، ثم في الديار المصرية، والبلاد الشامية، إلا أنه لكثرة فضله، وعظيم سيادته ونبله، لم يُعْدَمْ قطُّ عدوٌّا ولا حاسدا، ولم يفقد في حال من الأحوال ضدّا معاندا، ولله درّ مَعْن بن زائدة إذ يقول:
إني حسدت فزاد الله في حسدي ... • ... لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما محسد المرء إلا من فضائله ... • ... بالعلم والظُّرف أو بالبأس والجود
ويا لبدائع هذا الحبْر ما أعلاها، ولمفاخره ومآثره ما أجلّها وأسناها.
مشيخته: قرأ القرآن الكريم على الأستاذ أبي عبد الله محمد بن سعد بن بُرّال الأنصاري بالقراءات السبع إفرادا وجمعا في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأ ختمة برواية يعقوب جمعا بين الروايتين عنه، وعرض عليه قصيدتي الشاطبي اللاّمية والرّائية وكتاب «التقصي لأحاديث الموطأ» لابن عبد البر، ودرس كتاب «التسهيل» في النحو لابن مالك و «مختصر ابن الحاجب» الفقهي. وأخذ العربية عن أبيه وعن أبي عبد الله محمد بن المغربي الحصائري وأبي عبيد الله محمد بن الشواش الزرزالي وأبي العباس أحمد بن القصّار وأبي عبد الله محمد بن بحر ولازم مجلسه وأشار عليه بحفظ الشعر، فحفظ «المعلقات» و «حماسة الأعلم» وشعر حبيب، وطائفة من شعر المتنبي، وكتاب «سقط الزند» لأبي العلاء المعرّي، وسمع «صحيح مسلم» بتونس الا فوتا يسيرا من كتاب الصيد، وسمع «موطأ مالك» رحمه الله على أبي عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادياشي وأجازه إجازة عامة. وأخذ الفقه بتونس عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الجياني و أبي القاسم محمد بن القصير وقرأ عليه كتاب «التهذيب» لأبي سعيد البرادعي وغيره وعليه تفقه. وانتاب مجلس قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام، وأفاد منه وسمع عليه، وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن سليمان السطّي، وأبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، وأبي العباس أحمد الزواوي، واستفاد من (أبي) القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي وأخذ عنه الأصلين والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية ولازمه وبرع عليه حتى لقد كان يشهد له بالتبريز في ذلك والتقديم، ولازم في ابتداء أمره مجلسه ثلاث سنين وكثيرا ما كان يحدثنا عنه.
وجاهته: لم يزل منذ ولد بمدينة تونس في يوم الأربعاء أوّل يوم من شهر رمضان سنة إثنتين وثلاثين وسبع مئة إلى أن مات، نشأ مكبّا على تحصيل العلم، حريصا على اقتناء الفضائل، إلى أن كان الطاعون