فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 114

أوليته: لما دخل خلدون إلى الأندلس نزل بقرمونة في نفر من حضرموت ونشأ بنوه بها، ثم استوطنوا إشبيلية وكانوا في جند اليمن، ثم انتقلوا إلى سبته، وقصد الحسن بن محمد الأمير أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد أبي حفص صاحب إفريقية فأكرم قدومه، وارتحل إلى المشرق فحج ورجع فاستقر في ظل دولة الأمير أبي زكريا فأقطع له إقطاعا وفرض له رزقا إلى أن مات. فنشأ ابنه محمد بن الحسن في جو تلك النعمة ومرعاها وصرَّفه الأمير أبو إسحاق في عمل الأشغال في الدولة فانفرد بولاية العمال وعزْلهم وحسابهم على ما يُجْبَى، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد الأمير أبو إسحاق لابنه محمد بن محمد بن الحسن على حجابة ولي عهده ابنه الأمير أبي فارس ثم أعفاه ومات. فعدل ابنه محمد بن محمد عن طريقة السيف والجندية إلى طريقة الرباط، فنشأ ابنه محمد بن محمد بن محمد مائلا إلى الطلب، فتقدم وبرع في علم العربية والبصر بنقد الشعر وفنونه، ومات في سنة تسع وأربعين وسبع مئة وترك أولادا منهم أبو زيد عبد الرحمان.

قال العلامة لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الخطيب الأندلسي السَّلْمَانِي في كتاب الإحاطة بتاريخ غرناطة، بعد ما ذكر ما تقدَّم من نسب أبي زيد ذرية عثمان أخي كريب الذُّكُور في ... بها ثوار الأندلس و ينسب سلفهم إلى وائل بن حجر، قال: وانتقل سلفه من إشبيلية عن نباهة وتعَين وشهرة عند الحادثة بها، وأقبل ذلك فاستقر بتونس منهم ثالث المحمدين: محمد بن الحسن، وتناسلوا على سراوة وحشمة ورسوم حَسَبِيَّة، وتصرّف جد المترجم به لملوكها في قيادة الجيوش.

حاله وصفته: قال في الإحاطة: هذا الرجل الفاضل جمّ الفضل، باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصّي الزيّ، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب العادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرياسة، خاطب للحظ، متقدم في الفنون العقلية والنقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، بارع الخط، مغري بالتجلة، جواد حسن العشرة، مبذولة المشاركة، مقيم لرسم التَّعين، عاكف على رعي ظلل الأصالة، مفخر من مفاخر التخوم المغربية.

وقال كاتبه [المقريزي] : هو النخبة التي قلّ أن يأتي بمثلها الدهر، والتاج الذي علا قمم رؤساء العصر، بما انطوى عليه من غزير المعارف والعلوم، وتحلّى به من بديع المدارك والفهوم، وتجمل به من المنظر الجميل، واشتمل عليه من الخلق الكريم والفضل الجزيل، وقوة النفس الأبيّة، والتفنّن في اللغات العربية، إن تجلّى وجهه قلت البدر سناءٌ وسنا، أو خطر قدُّه فما سُمِر القنا، أو تكلم في العلوم جاء البحر الذي لا يتوسط ثبجه، ولا تخاض لعِظَمِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت