فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 114

حدثنا أبو زيد أن السلطان أبا عنان استدعى أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن التمتام، عابر الرؤيا بفاس، وكان في علم عبارة الرؤيا آية من آيات الله، فقال له: رأيت أني عمّمت بعض أهل دولتي بفوطة لونها رمليّ بحاشية نارنجي، وليس ذلك لمن تليق به هذه العمامة. فقال: يا مولاي تولّيه عملا لا يليق به، قال: فما ذلك العمل، قال: هو شيء يتولّد من رمل ونار. قال: من أين هذا؟ قال: من لون الفوطة وحاشيتها. قال: فما اسمه؟ قال: من الأسماء المضافة يصلح أن يكون عبد ... فما تمّ قوله عبد، حتى قال المؤذّن للمغرب الله أكبر، فقال: عبد الله، فاشتدّ تعجّب السلطان منه، وقال: هذا الذي رأيته هو عبد الله الوربي قاضي الجماعة، وكنت عزمت على أن أولّيه النظر في معدن النحاس الذي ظهر بتلمسان. ثم استدعاه وولاّه أمره، وكان لا يليق بمثله ولا به ذلك.

قال: وقصّ عليه أيضا أبو عنان، أنه رأى كأنه يتوضأ من عين ماء، ثمّ أنه صلّى فاستقبل في صلاته جهة المغرب، فثارت من خلفه رياح فرّقت السّحب التي كانت في السماء. فقال: يسافر السلطان إلى جهة المغرب بعد سبعين يوما، ويفسد عرب رياح في جيشه. قال: من أين هذا؟ قال: الصلاة تدل على القصد والتوجّه، وقد توجّهت في صلاتك إلى ناحية المغرب فتسافر إليها، وعدد حرف العين بحساب الجُمل سبعون، وأنت توضأت من عين فتسافر بعد سبعين يوما، والسحاب: الجيوش، والرياح: عرب رياح، وتفريقها: إفسادها. قال: فكان كذلك، سافر السلطان بعد سبعين يوما من رؤياه إلى المغرب وعاثت عرب رياح في عساكره وأفسدت.

قال أبو زيد: وعلامة الرؤيا الصادقة أن يتنبّه المرء حال رؤيتها وتثبت في نفسه فلا ينساها.

حدثنا أبو زيد أنه خرج من تونس في سنة أربع وثمانين وسبع مائة وبها امرأة مشهورة بالسحر، يأتيها المسافرون في البحر ويبتاعون منها الهواء لمدة معينة بمبلغ مال، فتدفع إليهم إناء مجوّفا مسدود الفم، وتقول: إذا توقّف الريح فافتحوا هذا الإناء، فيسيرون بمراكبهم إلى أن يقف الريح، فيحلّون الإناء فتخرج لهم ريح تسير مراكبهم مدة ما شارطتهم! [1]

حدثنا أبو زيد أنه أُحضر إلى السلطان أبي سالم بامرأتين من الخضراء، ذُكِر أن لهما قدر أربعين سنة ما أكلا ولا شربا شيئا، فأمر بهما أن يُدخلا إلى مكان في داره، ووكّل بهما من يعرف خبرهما فمكثا شهرين لم يتناولا طعاما ولا شرابا البتّة، وكان مع ذلك يأتيهما المحيض. [2]

(1) يبدو أن ابن خلدون قد قام بتمرير هذه الاعتقادات إلى طلبته، فيساهم في تثبيت المثل الشعبي السائر: «يبيع في الريح للمراكب» !!

(2) بشير ابن خلدون إلى هذه الرواية بالكتاب الأوّل قائلا: « ... إمرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أنفسهما عن الأكل جملة منذ سنين وشاع أمرهما ووقع اختبارهما فصح شأنهما واتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا.» (1/ 113) لم يقل لنا ابن خلدون هل أن موتهما تم إثر حبسهما لاختبارهما أم بعد سنين طويلة؟ وكم دامت فترة الاختبار المزعومة؟ ما الذي يجعل ابن خلدون يعتقد ويسلِّم بمثل هذه الظواهر الخارقة لطبيعة الأشياء؟ لا سيما أن البعض من فقهاء وعلماء عصره الذين يكنّ لهم كل التجلّة والاحترام قد استنكروا هذه الظاهرة التي يرويها لنا هنا. فمن خلال مطالعتنا لنفح الطّيب تبيّن لنا أن المقّري الحفيد قد نقل هذه الرواية بصفة مسهبة عن جدّه أبو عبد الله المقّري في كتابه"المحاضرات". [نفح الطّيب، 5/ 305 - 306.] يقول المقّري الجدّ في كتابه المذكور حسب نقول حفيده: «وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأة من رُندة لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتغوّط ولا تحيض، فلما اشتهر هذا من أمرها، أنكره الفقيه أبو موسى ابن الإمام، وتلا {كانا يأكلان الطعام.} (المائدة: 75) ... وقد ذُكِرَ أن امرأة أخرى كانت معها على تلك الحالة ... » [المصدر السابق] وعندما نعلم بأن أبا موسى ابن الإمام قد توفي سنة 749 ه‍/ 1348 م، أي قبل وصول ابن خلدون إلى المغرب الأقصى بما لا يقلّ عن خمس سنوات، يصبح من المرجّح لدينا أن صاحب العبر قد نقل هذه المعطيات من كتاب المقّري الجدّ دون الإشارة إلى مصدره ودون الأخذ بعين الاعتبار وجوب تمحيص الظاهرة التي استنكرها ابن الإمام. وأن الحادثة في صورتها لم تكن في عهد أبي سالم المريني كما ذكر المقريزي عن شيخه، بل قبل ذلك بكثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت