فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 114

دخلوا للسلام عليه مع اعتذاره لمن عتبه عليه في الجملة، وفتك في كثير من أعيان الموقعين والشهود وصار يعزّر بالصفع ويسميه الزجّ، فإذا غضب على إنسان قال: زجّوه، فيصفع حتى تحمرّ رقبته، ويقال أن أهل المغرب لما بلغهم ولايته القضاء، تعجبوا ونسبوا المصريين إلى قلّة المعرفة بحيث قال ابن عرفة: كنّا نعدّ خطّة القضاء أعظم المناصب، فلما وليها هذا، عددناها بالضد من ذلك.

وعزل ثم أعيد وتكرر له ذلك حتى مات قاضيا فجأة في يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة ثمان عن ست وسبعين سنة ودون شهر ودفن بمقابر الصوفيّة خارج باب النصر عفا الله عنه.

ودخل مع العسكر في أيّام انفصاله عن القضاء لقتال تيمور، فقدر اجتماعه به وخادعه وخلص منه بعد أن أكرمه وزوّده، وكذا حجّ قبل ذلك في سنة تسع وثمانين وهو أيضا منفصل عن القضاء، ولازمه كثيرون في بعض عزلاته، فحسن خلقه معهم وباسطهم ومازحهم وتردد هو للأكابر وتواضع معهم، ومع ذلك لم يغيّر زيّه المغربي ولم يلبس بزيّ قضاة هذه البلاد لمحبته المخالفة في كل شيء. واستكثر في بعض مرّاته من النوّاب والعقاد والشهود عكس ما كان منه في أوّل ولايته وكان ذلك أحد ما شنع عليه به. وطلب بعد انفصاله في المحرّم سنة ثلاث وثمانمائة إلى الحاجب الكبير فأقامه للخصوم وأساء عليه القول وادّعوا عليه بأمور كثيرة أكثرها لا حقيقة له وحصل عليه من الإهانة ما لا مزيد عليه.

وقد ولّي مشيخة البيبرسيّة وقتا وكذا تدريس الفقه بقبة الصالح بالبيمارستان إلى أن مات، وتدريس الحديث الصرغتمشية ثم رغب عنه للزين التفهني. وقد ترجمه جماعة فقال الجمال البشبيشي أنه في بعض ولاياته تبسّط بالسكن على البحر وأكثر من سماع المطربات ومعاشرة الأحداث وتزوّج امرأة لها أخ أمرد ينسب للتخليط فكثرت الشناعة عليه، قال، وكان مع ذلك أكثر من الإزدراء بالناس حتى أنه شهد عند الاستدار الكبير بشهادة فلم يقبله مع أنه كان من المتعصبين له، قال ولم يشتهر عنه في منصبه إلاّ الصيانة وأنه باشر في أواخر مرّاته بلين مفرط وعجز وخور يعني بحيث أنه سمع بعض نوّابه وهو راكب بين يديه يتلو رؤيته بعض المؤرخين (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مراد له) فلم يردّ على معاتبته وقال له وقد اعتذر النائب له بما لم يقبله منه: إنما أردت أن تبلّغ ذلك الجمال البساطي.

قال البشبيشي: كان فصيحا، مفوّها جميل الصورة، حسن العشرة إذا كان معزولا، فأمّ إذا وُلِّيَ فلا يُعاشر بل ينبغي أن لا يُرَى. وقال ابن الخطيب فيما حكاه عنه شيخنا: رجل فاضل جمّ الفضائل رفيع القدر أصيل المجد وقور المجلس عالي الهمة قويّ الجأش، متقدّم في فنون عقليّة ونقليّة متعدّد المزايا شديد البحث كثير الحفظ صحيح التصوّر بارع الخطّ حسن العشرة، مفخرة من مفاخر المغرب. قال هذا كلّه في ترجمته وهو في حدّ الكهولة، ومع ذلك فلم يصفه فيما قال شيخنا أيضا بعلم، وإنما ذكر له تصانيف في الأدب وشيئا من نظمه. قال شيخنا: ولم يكن بالماهر فيه وكان يبالغ في كتمانه مع أنه كان جيّد النقد للشعر. وسئل عنه الركراكي فقال: عريّ عن العلوم الشرعيّة، له معرفة بالعلوم العقليّة من غير تقدّم فيها ولكن محاضرته إليها المنتهى وهي أمتع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت