محاضرة الشمس الغماري.
وقال المقريزي في وصف تاريخه: مقدمته لم يعمل مثالها وانه لعزيز أن ينال مجتهد منالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السليمة والفهوم، تقف على كنه الأشياء وتعرف حقيقة الحوادث ولأنباء وتعبّر عن حال الوجود وتنبئ عن أصل كل موجود بلفظ أبهى من الدرّ النظيم، وألطف من الماء مرّ به النسيم.
قال شيخنا: وما وصفه به فيما يتعلّق بالبلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظيّة مسلّم فيه، وأما ما أطراه به زيادة على ذلك، فليس الأمر كما قال إلاّ في بعض دون بعض، غير أن البلاغة تزين بزخرفها حتى ترى حسنا ما ليس بحسن. قال وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن يعني الهيثمي [1] يبالغ في الغضّ منه، فلمّا سألته عن سبب ذلك، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين بن علي رضي الله عنهما في تاريخه، فقال: قُتل بسيف جدّه. ولمّا نطق شيخنا بهذه اللفظة، أردفها بلعن ابن خلدون وسبّه وهو يبكي. قال شيخنا في رفع الإصر: ولم توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنه كان ذكرها في النسخة التي رجع عنها. والعجب أن صاحبنا المقريزي كان يفرط في تعظيم ابن خلدون لكونه كان يجزم بصحة نسب بني عبيد الذين كانوا خلفاء بمصر وشهروا بالفاطميين إلى علي، ويخالف غيره في ذلك، ويدفع ما نقل عن الأئمة من الطعن في نسبهم، ويقول أنما كتبوا ذلك المحضر مراعاة للخليفة العباسي، وكان صاحبنا ينتمي إلى الفاطميين فأحب ابن خلدون لكونه أثبت نسبهم وغفل عن مراد ابن خلدون، فانه كان لانحرافه عن آل علي، بثبت نسب الفاطميين إليهم لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين، وكون بعضهم نُسب إلى الزندقة وادّعى الالهيّة كالحاكم، وبعضهم في الغاية من التعصّب لمذهب الرفض حتى قتل في زمانهم جمع من أهل السنّة. وكان يصرّح بسبّ الصحابة في جوامعهم ومجامعهم، فإذا كانوا بهذه المثابة وصحّ أنهم من آل علي حقيقة، التصق بآل علي العيب، وكان ذلك من أسباب النفرة عنهم.
وقال في إنبائه أنه صنّف التاريخ الكبير في سبع مجلّدات ضخمة ظهرت فيه فضائله وأبان فيه عن براعته، ولم يكن مطّلعا على الأخبار على جليّتها، لا سيما أخبار المشرق، وهو بيّن لمن نظر في كلامه. قال وكان لا يتزيّا بزيّ القضاة بل هو مستمرّ على طريقته في بلاده. وقال في معجمه: اجتمعت به مرارا وسمعت من فوائده ومن تصانيفه خصوصا في التاريخ، وكان لسنا فصيحا بليغا حسن الترسّل، وسط النظم مع معرفة تامة بالأمور خصوصا متعلقات المملكة. وكتب لي في استدعاء: أجزت لهؤلاء السادة والعلماء القادة أهل الفضل والإجادة جميع ما سألوه من الإجازة. وكذا أثنى عليه الحافظ الأقفهسي في معجم الجمال بن ظهيرة وهما ممن أخذ عنه، وساق له شعرا، وقال إنه باشر بحرمة وافرة. وقال العيني، كان فاضلا صاحب أخبار ونوادر ومحاضرة حسنة وله
(1) الهيثمي: (ت: 807 هـ/ 1405 م) نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان ... ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة من كتبه: جمع زوائد مسند أحمد على الكتب الستة محذوفة الأسانيد، وتكلم على كل حديث عقبه. وله"زوائد الحلية"و"زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين"وغير ذلك، قال ابن حجر العسقلاني: كان خيرا ساكنا صينا سليم الفطرة شديد الإنكار للمنكر لا يترك قيام الليل.