يكتب ابن خلدون عن ممارسات أميره قائلا: « ... وكان شديد الوطأة على أهل بلده، مرهف الحدّ لهم بالعقاب الشديد، حتى لقد ضرب أعناق خمسين منهم قبل أن يستكمل سنتين في ملكه. فاستحكمت النفرة وساءت الملكة، وعضل الداء، وفزع أهل البلد إلى مداخلة السلطان أبي العبّاس باستنقاذهم من ملكة العسف والهلاك.» (7/ 172) لكنه يتغافل عن ذكر دوره في العسف والعنف وفي ابتزاز السكّان، أي في آخر المطاف، في جنوح أهل بجاية عن أميرهم ودعوتهم لابن عمه أبو العباس لبسط نفوذه على مدينتهم أو ربما كان ابن خلدون يعتقد أنه لا دخل له في صراع عائلي بين أبناء العمومة والمهم هو موقعه مقابل الخدمة التي يقدّمها لهذا أو ذاك، فهو في آخر المطاف مجرّد عون تنفيذ لا مسؤولية له في الصّراعات التي ما فتئت تخمد هنا حتى تندلع هناك بأكثر عنف.
مهما يكن موقفه من هذه الأحداث، فما من شك في أن خيبته هذه كان لها تأثير بالغ على وضعيته الماديّة من ناحية وعلى رؤيته للعالم وعلى طريقة تفكيره من ناحية أخرى، فيقرّر الانسحاب من بجاية لاجئا لدى بعض القبائل العربيّة ببسكرة طالبا الحماية؛ ويتعمّق انكساره وأساه باعتقال أخيه يحيى من قبل نفس السلطان أبي العبّاس، فيجد الفرصة سانحة للثأر ممّن كان سببا في خروج الحجابة منه، فيقدّم خدماته إلى أمير تلمسان السلطان أبي حمّو صهر صديقه أمير بجاية أبو عبد الله المقتول، باستنفار القبائل لصالحه ويخوض المعارك إلى جانبه بهدف استرداد بجاية من أبي العبّاس، إلاّ أنّ قاعدة ملك أبي حمّو وهي تلمسان، أصبحت بدورها مهدّدة من قبل سلطان فاس أبي فارس عبد العزيز بن علي المريني الذي يلقي القبض على ابن خلدون ويعنّفه ويؤاخذ عليه استبداله آل بني مرين، لكن صاحب العبر يعتذر ويبرّر ذلك باستبداد الوزير عمر بن عبد الله بالسلطة لا سيما وأن هذا الوزير يتمّ قتله فعلا من قِبل أبي فارس.
كما تجدر الإشارة إلى الفروق الكبيرة في عديد الكلمات الواردة بمختلف النسخ المعتمدة، ففضّلت ما ورد بريحانة الكتاب، مع العودة إلى نسخة التعريف لمحمد بن تاويت الطنجي، والتي أعتبرها الأصحّ من بين ما تمّ تحقيقه في كتابات ابن خلدون.