مقيمًا بها نزيلًا عند السلطان أبي عبد الله بن أبي الحاج بن الأحمر في سبيل اغتراب ومطاوعة تغلّب منذ مهلك السلطان أبي سالم ... فلما استدعاني هذا الأمير أبو عبد الله بادرت إلى امتثاله ... فأجزت البحر شهر جمادى من سنة ست وستين وسبعمائة، وقلّدني حجابته ودفع إلي أمور مملكته، وقمت في ذلك المقام المحمود إلى أن أذن الله بانقراض أمره وانقطاع دولته ... » (6/ 548)
ويصف ابن خلدون دخوله إلى بجاية فتتجلّى لنا بوضوح صور الغرور والكبرياء: « ... فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب للقائي وتهافت أهل البلد علي من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبلون يدي، وكان يوما مشهودًا.» (7/ 560) لكنّه لم يسع إلى الحفاظ على منصبه أو على منزلة سلطانه بالدّفاع عن الإمارة وعن سكّانها الذين هم مصدر الثروة والجاه، فعند أوّل مشكلة واجهت إمارة بجاية، نرى في ابن خلدون الاستسلام والخضوع التام لأعدائه وأعداء أميره.
خلال تولّيه لمنصب الحجابة ببجاية، كان على أميرها مواجهة مطامع ابن عمّه أبي العباس الحفصي أمير قسنطينة المتطلّع إلى بسط نفوذه غربا، وعوض العمل على دحض هذه المخاطر بأيّ شكل من أشكال السياسة المتّبعة آنذاك أو بالحرب إن لزم الأمر، نرى ابن خلدون يعزو انهزام بجاية وسقوطها بيد أبي العبّاس إلى سوء تصرّف سلطانه أبو عبد الله تجاه رعيّته وتبذيره للأموال التي شقي ابن خلدون في جمعها له من الضرائب المفروضة على السكان والقبائل، فيقول: «لما ملك الأمير أبو عبد الله بجاية واستقل بإمارتها تنكّر للرعيّة وساءت سيرته فيهم بإرهاف الحد للكافة وإسخاط الخاصة، فنغلت الصدور ومرضت القلوب واستحكمت النفرة، وتوجهت الصاغية إلى ابن عمه السلطان أبي العباس بقسنطنية لما كان استفسد منه وأعلن بلذته وأقوم على سلطانه ... ودخل الأمير أبو عبد الله إلى بجاية وقد استحكمت النفرة بينه وبين أهل بلده فدسّوا إلى السلطان أبي العباس بقسنطينة بالقدوم عليهم ... وفرّ إلى بجاية فأدرك في بعض الطريق وتقبض عليه، وقتل قعصا بالرماح.» (6/ 550)
إن كانت الحجابة كما وصفها ابن خلدون هي الاستقلال بالدولة، فأيّ دور لعبه داخل هذه الإمارة الصغيرة لتوكيد أسسها؟ إن المفهوم الذي قدّمه يفترض أن يجعله المسؤول الأوّل عن سقوط بجاية بيد عدوّها، أم كان ابن خلدون مجرّد منفّذ للأوامر دون سلطة فعليّة؟
يقول ابن خلدون في الكتاب الأوّل: « ... وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها وهي الخلال لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عريانًا بين الناس.» (1/ 178 - 179) فإن كانت سلطته شكليّة فما دعوى اغتباطه بهذا المنصب؟ وإذا كان بإمكانه مباشرة السلطة الفعليّة، فسقوط بجاية وتسليمها لعدوّه مع علمه بالمؤامرات التي كانت تُحاك ضدّ سلطانه وصديقه، فتلك خيانة جليّة، وسوء التصرّف الذي يعزوه إلى أميره لم يكن في الحقيقة إلاّ غشاء لتصرّفاته الشخصيّة التي أشار إليها بعد ذلك دون قصد الاعتراف بها.