فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 150

مِنْهُمُ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هَذَا قَوْلُ مُتَأَخِّرِيهِمْ، وَأَقْدَمُ مَنْ قَالَ بِهِ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ وَتَبِعَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَغَيْرُهُ. [1]

وَقال الجصاص: شَرَطَ أَصْحَابُنَا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْآحَادِ: أَنْ لَا يَكُونَ وُرُودُهُ فِيمَا بِالنَّاسِ إلَيْهِ حَاجَةٌ عَامَّةٌ، لِأَنَّ مَا كَانَ بِهِمْ إلَيْهِ حَاجَةٌ عَامَّةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّبِيِّ تَوَقُّفٌ لِلْكَافَّةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ فَعَلَ لَمَا جَازَ وُقُوعُ الْكِتْمَانِ مِنْهُمْ فِي مِثْلِهِ، وَتَرْكُ نَقْلِهِ مَعَ تَدَيُّنِهِمْ بِوُجُوبِ نَقْلِهِ، وَمَا يَرْجُونَ مِنْ الثَّوَابِ وَالْقُرْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِذَاعَتِهِ وَنَشْرِهِ. [2]

وقال أمير الحاج رحمه الله: مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَيْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكُلُّ حَاجَةً مُتَأَكِّدَةً مَعَ كَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبٌ دُونَ اشْتِهَارٍ أَوْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ لَهُ أَيْ مُقَابَلَتِهِ بِالتَّسْلِيمِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ ثُمَّ حَيْثُ كَانَ هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. [3]

ومثلوا لذلك بالحديث الَّذِي رَوَتْهُ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ رضي الله عنها أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . [4]

قالوا: فَإِنَّ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَهَذَا السَّبَبُ كَثِيرُ التَّكَرُّرِ وَخَبَرُهُ هَذَا لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَتَلَقَّهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ بَلْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إنَّ بُسْرَةَ انْفَرَدَتْ بِرِوَايَتِهِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهَا بِتَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَمْ يُعَلِّمْ سَائِرَ الصَّحَابَةِ مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ شِبْهُ الْمُحَالِ انْتَهَى. فَإِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ طَرِيقُ غَيْرِهَا مِنْ تَضْعِيفٍ فَلَا جَرَمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ. [5]

قال الجويني: كل أمر خطير ذي بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواترا إذا نقله آحاد فهم يكذبون فيه منسوبون إلى تعمد الكذب أو الزلل وقد أجرينا هذا في أدراج أحكام التواتر ووجهنا أسئلة مخيلة وانفصلنا عنها. وقال أبو حنيفة بانيًا على هذا: لا يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوي فإن سبيل ما كان كذلك أن ينقل استفاضة. [6]

(1) - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ص: 607)

(2) - الفصول في الأصول - (3/ 66)

(3) - التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام - (2/ 295)

(4) - رواه أبو داود كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر- حديث: 156، والترمذي- أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الوضوء من مس الذكر - حديث: 80، بسند صحيح

(5) - التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام - (2/ 296)

(6) - البرهان في أصول الفقه - (1/ 256)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت