فليس الصحابة جماعة ولها فكر ومنهج ومؤسس، إنما هم جماعة المسلمين التي لا تقبل التفرق داخل صفوفها، إنهم أهل الإسلام الذي أقاموا شريعته حق إقامته، فليسوا هم فرقة ولا جماعة لها تاريخ ومؤسس، إنما هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهم المسلمون حقًا وصدقًا، أما سائر الفرق فهي التي خالفت طريقهم وسبيلهم.
القاعدة الثانية: أن أصحاب الفرق والمذاهب لا يجعلون الدليل والنص مذهبهم يسيرون معه حيث سار ويقفون معه حيث يقف، كلا بل هم على خلاف ذلك. فهم يجتهدون ويؤولون ويجمعون من الأقوال والآراء ما يرون أنه الحق والصواب ثم يجمعون له من الأدلة والشواهد والنصوص ما يؤيد قولهم ومذهبهم ولو خالفوا فيه الكتاب والسنة، وهذا جلي واضح في الغالب من أحوالهم، أو يتأولون النصوص، ولهذا لا يتغيرون عن أقوالهم ولا أقوال أئمتهم وأدلتهم ولو طال بهم الزمان إلا أن يروا في ذلك قوة ومصلحة لهم، فهم على قاعدة تمذهب ثم استدل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إنك تجد أكثر أهل الكلام انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع وبنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل على عدم اليقين" [1] . وصدق شيخ الإسلام. وهذا ولا ريب مخالف لما كان عليه الصحابة والسلف رضي الله عنهم، فلقد نقل عن الأئمة الأربعة قولهم:
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية. (ج 4/ 54)