فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 231

{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى: 11، 12] .

ثم يقولُ بعد آياتٍ بيَّن فيها أن شرعَ محمد - صلى الله عليه وسلم - ودينَه في ذلك، وما يستتبعه من إخلاص الإلهيةِ والعبادةِ لله وحدَه، وأنه لا يُعبَدُ إلا بما شَرَع، ولا يُتَحدَّث عنه ولا عن دينِه إلا بالحقِّ الذي يُوحِيه إلى رسلِه، وأن هذا الدينَ الجامعَ الذي يَجمَع اللهُ به القلوبَ على عقيدةٍ واحدةٍ وعملٍ واحدٍ، ويأخُذُ بهم في شؤونهم إلى صراطِه المستقيم الواحدِ، فينالون سعادةَ الدنيا والآخرةِ ما داموا كذلك أمةً واحدةً موحِّدة بأنواعِ هذا التوحيدِ، وأنهم ما يختلفون ويتفرَّقون إلا بتركِهم هذا العلمَ الموحَى به، فيجادلون في اللهِ بغير علم، بل بالظنونِ والأهواءِ، والباطل الذي يقلِّدون فيه شركاءهم الذين شَرَعوا لهم من الدينِ ما لم يَأذَن به الله؛ فاسمع إليه - سبحانه - وهو يقولُ في هؤلاء وفي عاقبتِهم في الدنيا والآخرة، وما يؤول إليه أمرهم ولا بدَّ: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16] ، إلى أن يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] ، ثم ختم ذلك بسورةِ الإخلاصِ، التي هي في مدلولِها ومعناها - من توحيدِ الله الجامعِ لكلِّ أنواعِ التوحيدِ العلمي والاعتقادي والعملي - تعدلُ ثلثَ مدلولِ القرآنِ، ومعناه ومقاصدِه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص 1 - 4] .

فاعلم - وفقني الله وإيَّاك للسدادِ والحكمةِ، والرشدِ في القول والعمل - أن الشيطانَ كاد لبني آدمَ من قديمِ الزمنِ شرَّ كيدٍ، ومكر بهم أسوأَ مكرٍ، بما أَغرَاهم من التأويل في اللهِ وأسمائه وصفاتِه بالظنونِ الجاهلة الكاذبة، والأهواءِ الغاويةِ الخاطئةِ، حين صَرَفهم عن الحقِّ الذي تعهَّد اللهُ به الإنسان في كلِّ أطوارِه وأدوارِه، بما يصطفي من رسلٍ، ويبعث من أنبياءَ يُنذِرُون الناسَ، ويُحَذِّرونهم كيدَ الشيطانِ ومَكْرَهُ وإضلاله، ويهدونهم إلى صراط الله المستقيم في معرفتِه بأسمائه وصفاته، وآثارِ رحمتِه وقدرتِه وحكمته، وفي إخلاصِ العبادة والإسلامِ له وحده؛ لأنه الكبيرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت