المتعالي، القوي العزيز، الحي القيوم، الخالق البارئ المصوِّر، الذي له الأسماء الحسنى، والذي يسبِّح له ما في السمواتِ والأرضِ، وكلُّ شيء في الوجودِ، فهو خلْقُه وحدَه، وهو تحتَ قهرِه وحدَه، فمنهم مَن هدى الله، ومنهم مَن حقَّت عليه الضلالةُ، فأما الذين هَدَاهم الله بسننِ الفطرةِ وآياته الكونيةِ التي آمنوا بها؛ فعَرَفوا بها ربَّهم العليم الحكيم ربَّ العالمين، فهم حَرِيصُون أبدًا على الاستمساكِ برسالةِ المرسَلينَ، قابضون بأيديهم وعاضُّون بالنواجذِ على سنتِهم، منتبهون لا يَغفُلُون، يَقِظُون لا ينامون، مهما حاول الشيطانُ أن يُنِيمَهم بمكرِه وخديعتِه، أولئك على هدًى من ربهم، وأولئك هم المفلحون.
وأما الذين حقَّت عليهم الضلالةُ، فإنهم يَستَنِيمُون للشيطانِ، ويُخدَعُون بمكرِه، فيَكفُرون بآياتِ الله الكونية في أنفسِهم وفي الآفاقِ، ويَعْمَون عنها، ويصمُّون آذانَهم عن ندائها، فتَنعَكِس فطرتُهم، ويَرتَدُّون إلى دَرَكاتِ البهيمية في أسفلِ سافلينَ، ويتولَّون مُدبِرِين مع مولاهم الشيطانِ الرجيمِ، يضرب بهم في بيداءِ الجهالةِ، ويَخبِط بهم في ظلماتِ الغي والضلالةِ، ويُقِيم لهم من التخيُّلات والأوهامِ ويُمَنِّيهم أكذبَ الأمانيِّ، ويَعِدُهم أخسرَ العِدَاتِ/ الوعود؛ ليَبقَوا على ما هم فيه من ضلالةٍ، ويستمرَّ سلطانُه عليهم نافذًا، وقولُه فيهم مصدَّقًا، ودعاؤه لهم مستجابًا، حتى تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسِهم، فتنكشف لهم حينئذٍ الخيالات والأوهام والتقاليد، التي كان قد حجَب بها قلوبَهم، وقتل بها إنسانيتَهم، وحقَّت عليهم بها كلمةُ العذابِ، فيقولُ قائلهم:
{رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99، 100] .
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30] .
لطالما كاد الشيطانُ لهؤلاءِ، وخَدَعهم حين قَطَعوا صلتَهم بالعلمِ السماوي، وأعرضوا عن سننِ المرسَلين، واستجابوا لهذا العدوِّ الماكر، حين أغراهم أن يحكِّموا عقولَهم وأهواءهم وآراءهم في اللهِ وأسمائه وصفاتِه، ودينِه وشرائعِه، وحقوقِه على عباده، وجرَّهم من وراء ذلك إلى أنواعٍ من الزيغِ والكفرِ والإلحادِ؛ فقد رَكِب هذه العقولَ المعكوسةَ المنكوسةَ، واتَّخذ منها أوكارًا يَبِيض