تتمةُ بحثِ التلازمِ بين الشركِ ونسبة الولدِ إلى الله - سبحانه:
في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا تُطْرُوني كما أطْرَت النصارى عيسى ابن مريم؛ فإنما أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، فقولوا: عبدُ الله ورسوله ) ) [1] .
إن النصارى إنما وَقَعوا فيما وَقَعوا فيه من الكفر بالله، وبعيسى ابن مريم، وبكلِّ أنبياء الله ورسله وكتبه، كغيرِهم من الذين كفروا من قبلهم - بسببِ غلوِّهم في تعظيمِ عيسى حتى خرجوا به عن دائرةِ البشريةِ إلى الربوبية، بدعوةِ بنوَّته للربِّ، وإنما كان ذلك بما أدخله عليهم الشيطانُ من عقيدةِ أن عيسى - إذ جعله الله وأمَّه آيةً فخَلَقه من أمٍّ بدونِ أبٍ - لا بد أن يكونَ له خصوصيةٌ عن كلِّ البشر في أصلِ مادَّته بنوع ما - كما سيأتي بيانه - فأوحى إليهم الشيطانُ ذلك على ألسنةِ اليهودِ ألدِّ أعداءِ عيسى، وغيرهم من وَثَنِيي اليونان، الذين كانت لهم آلهةٌ ومعبوداتٌ أوحى إليهم الشيطان عبادتَها وتقديسَها؛ كما قال الله - سبحانه: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] .
وما كانت هذه الآلهة المقدَّسة إلا خَلقًا من خَلقِ الله، زيَّن لهم الشيطانُ أنهم ارتفعوا في خَلقِهم وصفاتِهم وأحوالِهم عن طبيعةِ الخَلق، التي طَبَع الله عليها أمثالَهم الذين هم من جنسِهم؛ وذلك لأنهم فيهم فيضٌ من نورِ ربِّهم ورُوحٌ خاصٌّ انفصل عن ربِّهم، فرَفَعهم عن درجةِ الخَلق إلى درجةٍ قريبةٍ من الربِّ، الذي فاض عليهم نورُه، أو حلَّ فيهم رُوحُه الخاصُّ بهم، وحين تمكَّن ذلك من قلوبِ الناس وعقولِهم، أوحَى إليهم الشيطانُ أن يُحَاوِلُوا التعبيرَ عن هذا المعنى الخاصِّ بأولئك المقدَّسين، فأخذتهم الحيرةُ في اختيارِ اللفظ المؤدِّي لهذا المعنى، هل يقولون: إنَّهم خَلق مثلُ غيرهم من الخَلق؟ كلا، وكيف يُسِيغُون ذلك، وهم في اعتقادِهم قد ارتَفَعوا عن طبيعةِ الخَلقِ؛ إذًا فماذا يقولون؟ أوحى إليهم في ظلمةِ هذه الحَيْرة التي أوقعهم فيها من طريق جهلهم بالكتبِ المنَزَّلة، والأنبياء المرسَلين، ومن طريق تمرُّدِهم بعقولِهم الجامحة على الله وعلى سنتِه
(1) صحيح: أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (164) ، وصححه الأرناؤوط وابن حبان في صحيحه برقم (413) وصححه الأرناؤوط.