فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 231

وعلى حدودِ ما أوقفهم بسننِ الفطرةِ عنده، وحرصِهم على تخطِّي هذه الحدودِ إلى الخوضِ فيما يعلو عن مدارك عقولِهم مما لا سبيلَ لحواسِّهم إلى إدراكِه.

أوحى إليهم - في وسطِ هذه الظلمات - أن يسمُّوا هؤلاءِ المقدَّسين: أبناء ربِّهم؛ لأنها على معنى البنوَّة البشرية أو الحيوانية، فإنها تكون خدعة يسهلُ التخلُّص منها ببعضِ التفكُّر فيما يلحقُ هذه البنوَّة الحيوانية مما يرونه ويُحسُّونه بحواسِّهم؛ ففيهم من التبدُّل والتغيُّر والفناءِ، فحاطها بأوهامٍ وتخيلاتٍ تزيدُهم حيرةً وضلالًا بما أوحى إليهم من أنها سرُّ ارتباطِ هؤلاءِ المقدَّسين بربِّهم، بسبب حلولِ النورِ أو الرُّوحِ الخاصَّة المنفصلةِ عن الربِّ فيهم، على معنى يعجزُ العقلُ البشري أن يتصوَّرها أو يُحدِّد حقيقتَها، فبَقِيت سرًّا، محظورٌ على أي إنسانٍ أن يفكِّر في أكناهِه، ورمزًا، حرامٌ على أي عاقلٍ حلُّه؛ فهي عقدةُ العُقَدِ التي لا حلَّ لها أبدًا، ولا سلامةَ إلا بالبعدِ عنها وعن مسِّها بأي تفكيرٍ، والويلُ كلُّ الويلِ لمن حاول ذلك.

ومن هنا كانت بنوَّة"برهما وبوذا"عند وثنِيِّ الهند والصين، وبنوَّة آلهةِ قدماءِ المصرِّيين والفُرْسِ والآشُورِيين والرومان واليونان، وغيرِهم من قدماء الوثَنِيِّين، وبنوَّة يعقوبَ وعُزَيرٍ وأحبارِ اليهود وكُهَّانهم، وبنوَّة عيسى ابن مريم ورُهبَان النصارى وقسِّيسيهم، بل وبنوَّة آلهةِ قومِ نوحٍ، وقوم هودٍ، وقوم صالحٍ، وبنوَّة الملائكة، واللاتِ والعُزَّى وغيرهم من آلهةِ العرب، وعلى أساسِ هذه البنوَّة الوهمية اتَّخذوهم وسائطَ بينهم وبين ربِّهم؛ لأنهم وسَطٌ بين عامَّة الخَلق وبين الخَلق، ويدلُّك بوضوحٍ على عقيدةِ الشرك هذه ما حكى اللهُ وقصَّ عن كفرِ الوثنيين في كل أمَّة، وردِّهم على أنبيائهم؛ فالله يحكي أن قومَ نوحٍ وغيرَهم من الوثنيين استنكروا نبوَّة أولئك الأنبياءِ؛ لأنهم بشَرٌ مثلهم، وهذا بعيدٌ فيما يتصوَّرون؛ لأن الأنبياءَ يقولون: إنهم وُسَطاء بين الله وبين الناسِ في تبليغِ العلم والهدى، والحقُّ الذي يحبُّه الله ويرضاه من الدين والعقيدةِ والعملِ والشريعةِ، وهؤلاء الوثنيون لا يتصوَّرون الوسائطَ إلا على صورةِ البنوَّة التي ارتفع إليها مقدَّسوهم بتلك الخصائصِ من النورِ أو الرُّوحِ الخاصِّ الذي حلَّ فيهم منفصلًا عن الربِّ، فصاروا وسَطًا بين العبد والربِّ، وهم يرون أولئك الرسل يأكلون، ويَمشُون معهم في الأسواقِ، ويَعِيشون كما يَعِيش غيرُهم من البشرِ، فمن هنا جاء استنكارُهم وقولُهم لكلِّ رسولٍ: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} [هود: 27] ، وقولُهم: وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت