فليست هذه الولديةُ خاصَّةً بالملائكةِ، بل هي عامَّة في كلِّ عبدٍ أكرمه الله بالنبوَّة أو الرسالة، أو الإيمانِ والاستقامةِ على الدين الحقِّ، بحيث لم يكن أحدٌ من هؤلاء المُكْرَمين يَسبِق شرعَ ربِّه ولا أمرَه، فلا يقولُ في الدينِ إلا بما أوحى الله إليه، سواء في عقيدةٍ أو عبادةٍ، ولا يعمل إلا بأمرِ اللهِ، وقد أخضع هواه للحقِّ الذي قاله الله وأمر به، كما جاء في الحديثِ: (( لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لما جئتُ به ) ) [1] ؛ ولذلك وصفَهم بالإشفاقِ من خشيتِه - سبحانه - كما وصف المتَّقين بعد آياتٍ: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] ، ووصف أنبياءه في آخرِ هذه السورةِ بـ: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .
وفي وصف الصابرين الشاكرين من سورة المعارج: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المعارج: 27] .
وقد تكرَّر هذا الوصف في القرآنِ كثيرًا للمؤمنين المتَّقين الذين يَهتَدُون بكتبِ الله المنَزَّلة، مما يدلُّ على أن هذه الولديةَ التي ينَزِّه اللهُ نفسَه عنها ليست مقصورة على ولديةِ الملائكةِ، بل هي تشملُ كلَّ ما اعتقده الوثنيون من ولديةِ الأنبياء والصالحين بعد موتهم، وغيرهم من البشر والجنِّ، بما أوحى إليهم الشيطان كفرًا بأولئك الأنبياءِ، وعداوةً لهم، ويقول الله - سبحانه: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان:2، 3] .
وهذه وآيةُ الإسراءِ السابقةُ تدلُّ دلالةً تامةً على ملازمةِ الشركِ بالأولياءِ والصالحين لعقيدةِ الولدية، لا تنفَكُّ عنها، وتلازم تنقيص ربِّ العزة وتنافي كبرياءَه وعظمتَه.
(1) ضعيف: مشكاة المصابيح برقم (167) ، وأحمد برقم (13174) من حديث أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وحتى يقذفَ في النارِ أحب إليه من أن يعودَ في الكفرِ بعد أن نجَّاه الله منه، ولا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِه ووالدِه والناسِ أجمعينَ ) )، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.