فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 231

ويدلُّ لذلك أيضًا سورةُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] .

جَمَعت كلَّ أنواعِ التوحيد؛ فالله الأحدُ، المتوحِّد في ذاتِه وصفاتِه وأسمائه، ومحالٌ عقلًا وعلمًا عليه الإثنيَّة في أي ناحية من النواحي، ثم هو الذي يلزم من أحديَّته هذه أن يكون الصمدَ الذي يُقصَدُ، ويَصمُد إليه كلُّ عبدٍ وكلُّ مخلوقٍ في جميع شؤونه؛ لأنه المُنفرِد بخَلقِه، والمنفرد في تدبيرِه، بعملِه، وحكمتِه، ورحمتِه، وقدرتِه، وإرادتِه، فإذا تحقَّق هذا بطَلت عقيدةُ الولديةِ التي أوحاها الشيطان وخيَّلها في مقدَّسيهم وآلهتِهم الذين زَعَموا أنهم من جنسِ اللهِ، أو أن فيهم جزءًا انفصل من اللهِ، هو النورُ أو الروحُ الذي فاض عليهم، وكانوا به أولَ الخلقِ على غيرِ سنةِ الله ووضعِه الطبيعي، فإذا بطَلت هذه العقيدةُ الفاسدةُ، وتلاشت، زَهَق الوهمُ الكاذبُ والظنُّ الخادعُ، الذي سَمَّوه - بوحي الشيطان - سرًّا في هؤلاءِ المقدَّسين من الله، وما هو إلا جزءٌ وولدٌ، وانكشفت حقائقُه التي كانوا عليها بطبيعتِهم التي خلَقَهم الله بها، وجَبَلهم كغيرِهم عليها، وأن العلمَ مهما بلغ، والعبادةَ مهما كانت آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، وأن الرياضةَ والتنسُّك لن يكونَ شيءٌ من كل ذلك مستطيعًا أن يغيِّر في عالِمٍ أو عابدٍ سنَّةَ الله في الخَلقِ البشري أو غيره؛ فالأنبياء بشرٌ في خَلقِهم وأجسامِهم وحياتِهم وموتِهم ككلِّ البشرِ، ومَن دونَهم أَولى، فيستحيلُ عندئذٍ أن يكونَ للهِ كفوٌ أو مثيلٌ أو عدلٌ في الصفاتِ أو العبادةِ من هؤلاء الأنبياء، الذين هم صفوةُ اللهِ من خَلقِه، وخيرتُه من عبادِه، فضلًا عمَّن هو دونهم من بني آدم، فضلًا عن الجنِّ والملائكةِ والحيوانِ والشجرِ والحجرِ، التي تخذ الوثنيُّون من كلِّ ذلك عدلًا للهِ وندًّا وكفوًا، سبحانه وتعالى عما يتوهَّمون ويظنُّون ويقولونَ علوًّا كبيرًا.

إذا عَرَفت هذا جيدًا، وتدبَّرت كلَّ آياتِ الكتابِ - الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِه - في هدم العقيدةِ الوثنيةِ، وعَرَفت أن النصارى يصرِّحون في كتبِهم بأن الله مُنَزَّه عن الولادةِ البشريةِ، وأن ولادةَ عيسى ليست إلا على معنى أنه الابنُ الوحيدُ المولودُ من أبٍ قبل الدهورِ من نور الله، مولودٌ منبثقٌ غيرُ مخلوقٍ، بمعنى أنه فائضٌ من اللهِ، ويقولون في كتبهم: إن عبارةَ"الابن"لا تُشِير - كما فَهِم البعضُ خطأً - إلى الولادة البشريةِ، ولكنها نسبةٌ سريةٌ أزليةٌ تفوقُ الإدراكَ، وهم يقرِّرون في صراحةٍ أن عيسى ابنَ مريمَ هو ابنٌ بشريٌّ ليوسفَ النَّجَّار في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت