فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 231

ناسوتِه؛ فهو عندهم ليس آيةً في ولادتِه من مريمَ بدون أبٍ، ولكنه مولودٌ بشريٌّ عاديٌّ/ ولادةً بشريةً عاديةً من أبيه يوسفَ النَّجَّار، وهو مع ذلك في لاهوتِه - أو نورانيتِه، وسريتِه - ابنٌ منبثقٌ عن اللهِ في الأزلِ، قبل الدهور غيرُ مخلوقٍ.

إذا تقرَّر هذا، عَرَفت مرادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من نهيِه أمتَه وتحذيرِها أن تغلوَ في الثناءِ عليه غلوَّ النصارى في عيسى ابن مريم، وبيانه - صلى الله عليه وسلم - الواضح أنه (( عبدُ اللهِ ورسولُه ) ) [1] ، ككلِّ عبادِ الله المرسَلين، كما أكَّد الله ذلك في ردِّه على الذين كانوا يَستَنكِرُون عليه ويَعجَبُون أن يبعثَه الله إليهم رسولًا؛ لأنه - في نظرِهم، وفي الواقع - بشرٌ مثلُهم، فأخذوا يَقتَرِحُون عليه ما حَكَاه الله بقولِه: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93] ، فردَّ عليهم مؤكِّدًا أنه لا يَملِكُ شيئًا من كلِّ ذلك؛ لأن سننَ الكونِ بيدِ اللهِ ربِّ الكونِ العليمِ الحكيمِ لا بيدِه، وإنما هو عبدٌ بشرٌ لا يَملِك لنفسِه نفعًا ولا ضرًّا، ميَّزه الله عن البشرِ أمثالِه بأن أرسَله وأوحَى إليه: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] ، وأن الويلَ كل الويلِ لأولئك المشرِكينَ الذين لا يزكُّون أنفسَهم من نجاسةِ هذه الجاهليةِ التي أوحَى بها شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ من سادتِهم وشيوخِهم ورؤسائهم.

وعَرَفت أن إطراءَ النصارى عيسى إنما كان بزيادةِ صفاتٍ له لا وجودَ لها، وليس لها حقيقةٌ في واقع الأمر، وإنما هي خيالٌ ووهمٌ أوحاه الشيطان، من هذه الولادةِ وانبثاقِ النور الأزلي، والنسبةِ التي تَفُوقُ المداركَ، ولا يَنبَغِي البحثُ عنها، حتى كان عيسى - في معتقد النصارى في الواقع - وهمًا وخيالًا لا وجودَ له إلا في أدمغتِهم، وأنه بلا شكٍّ عند التأملِ والتحقيقِ ليس هو

(1) أخرجه البخاري برقم (3252) من حديث عبادة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن شَهِد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، ورُوحٌ منه، والجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ - أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت