عيسى ابنَ مريمَ عبدَ اللهِ ورسولَه، الذي جعَله الله وأُمَّه آيةً للعالمينَ، وأن عقيدتَهم هذه الفاسدةَ - أبينَ الفسادِ - هي بعينِها عقيدةُ الوثنيينَ الذين كَفَروا من قبلهم، نقَلها إليهم الشيطانُ بكيدِه ومكرِه باسم جديدٍ"ولدية عيسى"، وأنه النور الأزلي الذي انبثق أولًا من الله - سبحانه وتعالى.
ثم عَرَفت أيضًا أن الإطراءَ الذي نهانا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عنه، كإطراء النصارى عيسى، إنما هو اختراعُ وابتداعُ صفاتٍ لم تكن لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الواقعِ؛ لأن اللهَ لم يذكرْهُ ولم يُثْنِ عليه بها، ولو كانت لأَثْنَى اللهُ عليه بها؛ دفاعًا عنه، وإشادةً به، وردًّا لطعنِ أعدائه واستنكارِهم أن يبعثَه اللهُ إليهم بشرًا رسولًا، وأن الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - إنما نَهَى هذا النهيَ لوحي الله إليه بأن أمتَه ستفعلُ وتقولُ وتعتقدُ فيه عقيدةَ النصارى في عيسى ابنِ مريمَ، وأن الشيطانَ سيأخذُ بها أخْذَ غيرِها من الأممِ الوثنية الكافرة السابقة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ لدخلوه، وأن أخبثَ الأمورِ وأيسرَها على الشيطانِ أن يقودَهم بها إلى هذا الطريقِ؛ أن يستخرجَهم من حظيرةِ الإسلامِ بحبلٍ دقيقٍ، هو حبل الإطراءِ والغلوِّ في وصفِ شخصه - صلى الله عليه وسلم - بما هو مخالفٌ للواقعِ الذي خلَقه الله عليه من البشريةِ المماثلةِ لكل البشر، فيوحي إليهم بما أوحى إلى الذين كفروا من قبل: بأنه أولُ خلقِ اللهِ، وأنه النورُ الفائضُ من اللهِ، وأنه قبضةُ النورِ، وأنه سرُّ الأسرارِ، وأنه نورُ عرشِ اللهِ، وأنَّ اسمَه مكتوبٌ على ساقِ العرشِ من نورٍ، وأنه النورُ الذي خُلِق منه كلُّ شيء، وأنه الذي انشقَّت منه الأنوارُ، وانفَلَقت عنه الأسرار، وتنَزَّلت فيه علومُ آدمَ فأعجزَ الخلائقَ، وأنه غيرُ ذلك من الإفكِ والبهتانِ الذي أوحاه الشيطانُ إلى أوليائه الصوفيةِ؛ فنَشَروه وزَخْرَفوه للعامَّة والطغام بأنه مدحٌ وثناءٌ على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما هو في الواقعِ إلا كفرٌ به وتكذيبٌ له، وللقرآنِ الذي جاء به من عند الله، الذي سجَّل فيه بغير خفاءٍ مرارًا: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [فصلت: 6] ، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] ، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] إلى غيرِ ذلك من النصوصِ الواضحةِ في القرآنِ الحكيم، وفي السنةِ المتواترةِ التي لا تحتمل أيَّ تأويلٍ، لمن له قلبٌ يفقهُ، وعينٌ تُبصِر، وأُذُنٌ تَسمَع، ولكن أكثرَ الناسِ لا يفقهونَ؛ لأنهم بدَّلوا نعمةَ اللهِ عليهم في