واهتدى ضالٌّ، وحاول أن يردَّ الناسَ إلى سبيلِ اللهِ - سبيلِ العدلِ والحقِّ، سبيلِ العلمِ والإيمانِ والعملِ الصالحِ والخُلقِ القويمِ - ثاروا في وجهِه، وقاموا يرمونَه عن قوسٍ واحدةٍ بكل عيبٍ ونقيصةٍ، محاولين صرفَ الناسِ عن اتِّباعِه؛ مخافةَ أن يُفلِتوا من أيديهم، فتفلت الدنيا والرياسةُ، والدُّور والقصور، والعربات الفخمةُ، والسعادة والخدم، فتظهر حقيقتُهم للناسِ أن ليس وراءَ هذه الألقابِ ومُزَرْكَش الثياب إلا قلوبُ ذئابٍ، ونفوسٌ مَهِينة متهافتة على الدنيا كالذُّبابِ، فهم لشدَّة خوفِهم من افتضاحِ أمرِهم يضعون في سبيلِ القرآنِ والرسولِ صلى الله عليه وسلم والهُدَى والنورِ الذي أُنْزِلَ معه - كلَّ عقبةٍ، ويصدون الناس عنه بكلِّ حيلةٍ، ليبقى الناسُ على غبائهم وجهلِهم لا يعلمون من حقائقهم شيئًا، أو ليرضى شياطينُهم الذين يَخلُون إليهم في جحورِ الظلماتِ، ويتلقَّون عنهم وحْيَ الفسادِ والكفرِ، ومحادَّة اللهِ ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - وضرب الذِّلَّة على العبادِ والبلادِ، وإخضاعها للعدوِّ بدون تكلُّف منه ولا ظهورٍ ليدِه، التي تحرِّك هؤلاء المتلوِّنين المنافقين بما تشاءُ وما تُرِيد.
ولقد كان ذلك شأنَ أئمةِ الكفرِ في مكةَ والمدينةِ من المشركينَ واليهودِ، الذين اتخذوا من المنافقينَ مطايا لأغراضِهم وفسادِهم، ولا يزالُ هذا شأنَ ورثتِهم في كلِّ بيئةٍ إسلاميةٍ ممن يَلبَسُون للناسِ جلودَ الضأنِ من اللينِ، وقلوبُهم مثلُ قلوبِ الذئابِ؛ فيكون أولئك المغرورون بهم قد انسلَخوا من هدايةِ القرآنِ، وخَلَعوا عن قلوبِهم رِبقةَ الأسوةِ الحسنةِ بالإمامِ الأعظم - صلى الله عليه وسلم - ويكونون حقيقِينَ بما يُصِيبهم الله به من عذابٍ وغضبٍ، ولن يخلفَ الله وعدَه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [النحل: 107 - 109] .
قال أستاذُنا السلفيُّ، الصالح الناصح، العلامة السيِّد رشيد رضا - رحمه الله - في تفسير قولِه - تعالى - في سورةِ الأعرافِ:
{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 44، 45] :