فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 231

بها ثمنًا قليلًا، منغمسين في عبادةِ الشهواتِ وزينة الدنيا إلى أذقانِهم، مغترِّين بالأسماءِ والألقابِ، والثياب الظاهرة الكاذبة، وإن انطوت على نفوسٍ قذرةٍ، وقلوبٍ ميتةٍ، وأخلاقٍ منحطَّة.

فويلٌ لهؤلاء، ثم ويلٌ لهم أشد الويلِ مما يُذِيقهم الله من عذابِه الشديدِ في الدنيا بضربِ الذِّلَّة والمسكنةِ، وفي الآخرةِ لن تُغني عنهم ظواهرُهم وألقابُهم من الله شيئًا.

{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3] .

"الاستحباب": الإيثارُ، استفعالٌ من المحبةِ؛ لأن المُؤْثِر للشيءِ على غيرِه، كأنه يطلبُ من نفسِه أن يكونَ أحبَّ إليها وأفضلَ عندها من الآخر.

ويجوزُ أن يكون: استفعل بمعنى أفعل،"كاستجاب وأجاب"، ولَمَّا ضُمِّن معنى الإيثار عُدِّي بعلى، والمعنى أنهم يُؤثِرون الحياةَ الدنيا على الدارِ الآخرةِ؛ لغلبةِ جهلِهم، وعمَى بصائرِهم، وكفرِهم باللهِ وحكمتِه وعدلِه، لا يُصدِّقون وعدَه ووعيدَه، ولا يؤمنون بالآخرةِ على ما أخبر اللهُ من حسابِها وجزائها الأَوْفَى، الذي لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ، ولا تنفعُ فيها الشفاعاتُ والوسائطُ التي غرَّت أولئكَ الكافرينَ، وجرَّأتهم على انتهاكِ حرماتِ الله وتكذيبِ آياتِه، واتخاذِ الأولياءِ من دونِه، فهم يؤمنون بالدنيا العاجلةِ لِما غلب عليهم من عبادةِ المادَّة، والرضوخ التامِّ لحُكمِها، ومحاربةِ الرُّوح والمعنويات، حتى صاروا ذئابًا ووحوشًا ضاريةً، وحشراتٍ سامَّة تنفث سمومَها في المجتمعِ المظلم، فتتفاعل وإيَّاه تفاعلًا يكون لها وله منه الهلاكُ والشقاءُ.

ألا يرى المؤمنُ - الذي خرج بنورِ القرآنِ من ضلالِه القديم - ما عليه الناسُ اليوم من التحلُّل والفسادِ، وهم يظنُّون أنهم مُصلِحون، يزعمُ أحدُهم أنه كبيرٌ في نفسِه، عظيمٌ في دينِه، متينٌ في خلقِه، متثبِّت في علمِه بما حَفِظ من مؤلَّفات، وما قرأ من كتبِ الحلالِ والحرامِ والواجبِ والفرضِ، ثم قد يَمتَحِنه اللهُ بأن يُلقِي إليه مقاليدَ جماعةٍ من المسلمين يَلي أمرَهم، فإذا به قد حادَ عن الجادَّة، وصدَّهم عن الحقِّ، وأخَذ بهم ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ في طرقٍ ملتويةٍ، وسبلٍ معوجَّة، لا تؤدِّي بهم إلى غايةٍ، ولا يَصِلُون منها إلى شيءٍ مما إليه يَقصِدون؛ بل لا تنتهي بهم إلا إلى الفسادِ والبعد عن غايتِهم التي إليها يَسعَون من العلمِ والدينِ، فإذا استيقظ نائمٌ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت